سراب إنتاجية الذكاء الاصطناعي: تبنّي الذكاء الاصطناعي في تصاعد، فلماذا تتأخر مكاسب الإنتاجية؟

تتسابق الشركات حول العالم لتبنّي الذكاء الاصطناعي، ومع ذلك تشير الأدلة الأولية إلى أن ثورة الإنتاجية التي توقّعها كثيرون بالكاد بدأت. وقد لا يكمن التفسير في التقنية نفسها، بل في الطريقة التي تعيد بها المؤسسات تصميم العمل من حولها.
تناقض صامت داخل بيئة العمل الحديثة
تكشف هذه التساؤلات تناقضًا بدأ يطفو على السطح في كثير من المؤسسات. فقد انتقل الذكاء الاصطناعي من مجرد فضول إلى أولوية مؤسسية بسرعة لافتة. تشتري الشركات التراخيص، وتنشر الأدوات التوليدية في مختلف الإدارات، وتشجّع موظفيها على تجربة مساعدي الذكاء الاصطناعي في عملهم اليومي. وباتت الأنظمة الذكية تلخّص الاجتماعات، وتصوغ التقارير، وتحلّل البيانات، وتستخلص الرؤى في ثوانٍ، ما يوحي بأن بيئة العمل الحديثة تمرّ بتحوّل سريع.
ومع ذلك، حين يتفحّص القادة النتائج بعناية أكبر، تصبح الصورة أقل وضوحًا. فمعدلات التبنّي تواصل الارتفاع، لكن تحسّنات الإنتاجية القابلة للقياس لا تزال صعبة الرصد. ويقول كثير من المهنيين إنهم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي على فترات متقطعة، بدلًا من دمجها بعمق في سير عملهم اليومي. وهكذا يطرح التباين بين الحماس التقني والأثر التشغيلي سؤالًا مزعجًا على فرق القيادة:
إذا كان الذكاء الاصطناعي تحويليًا بالقدر الذي يعتقده كثيرون، فلماذا لا يزال من الصعب إلى هذا الحد أن نرى مكاسبه في الإنتاجية؟
فجوة الأدلة: التبنّي يسبق الأثر
من أوضح المؤشرات على هذا النمط ما كشفته أبحاث أجراها معهد هوفر (Hoover Institution) التابع لجامعة ستانفورد. فقد درس الباحثون عددًا من المسوح الكبرى للأعمال على مستوى الاقتصاد ككل، وهي مسوح صُمّمت لتتبّع كيف تستخدم المؤسسات الذكاء الاصطناعي فعليًا على أرض الواقع.
تكشف نتائجهم فجوة لافتة بين التبنّي والدمج. فنحو 70% من الشركات تقول إنها تبنّت شكلًا من أشكال تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي تجاوز بالفعل عتبة الابتكار التجريبي ليصبح جزءًا من البنية التحتية السائدة للأعمال. لكن المسوح نفسها تبيّن أن معظم المهنيين لا يستخدمون هذه الأدوات إلا نحو ساعة ونصف خلال أسبوع العمل المعتاد. أي أن التقنية انتشرت بسرعة في المؤسسات من دون أن تترسّخ بعد في إيقاعاتها التشغيلية الأساسية.
والأكثر دلالة من ذلك تقديرات الإنتاجية التي أفادت بها الشركات نفسها. ففي مجمل المسوح التي خضعت للتحليل، يظل أثر الإنتاجية القابل للقياس والمنسوب إلى الذكاء الاصطناعي متواضعًا للغاية، إذ لا يتجاوز نحو 0.29% على مدى ثلاث سنوات. وهذه الأرقام أبعد ما تكون عن التحوّل الجارف في الإنتاجية الذي تنبّأت به توقعات مبكرة كثيرة، بل تشير إلى أن الآثار الاقتصادية للذكاء الاصطناعي ربما لا تزال في مراحلها الأولى.
أزمة القياس: معظم المؤسسات عاجزة عن إثبات قيمة الذكاء الاصطناعي
وتسلّط مجموعة ثانية من الأبحاث الضوء على بُعد آخر للتحدي. فقد درس مسح عالمي أجرته Thomson Reuters كيف تقيس المؤسسات أثر مبادرات الذكاء الاصطناعي في قطاعات متعددة.
تكشف النتائج غيابًا واسعًا للتقييم المنهجي. فأكثر من 80% من المهنيين يقولون إن مؤسساتهم إما لا تتتبّع العائد على الاستثمار (ROI) من الذكاء الاصطناعي إطلاقًا، وإما أنهم لا يعرفون إن كانت لديها أنظمة لقياسه أصلًا. وحتى في القطاعات التي اعتادت أن يكون القياس فيها سيد الموقف، ومنها مكاتب المحاماة ووظائف إدارة المخاطر في الشركات، تظل الأطر الرسمية لتقييم أثر الذكاء الاصطناعي نادرة على نحو مفاجئ.
ويخلق غياب القياس هذا نقطة عمياء كبيرة لدى فرق القيادة. فالمؤسسات تستثمر بكثافة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بينما تفتقر إلى أنظمة موثوقة تحدد ما إذا كانت هذه الاستثمارات تحقق قيمة حقيقية. ومن دون تقييم منضبط، يصعب على القادة التمييز بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تحسّن الأداء فعلًا، وتلك التي لا تصنع سوى مظهر التقدّم.
نمط اقتصادي مألوف
إذا جمعنا هذه النتائج معًا، وجدناها تشير إلى ظاهرة سبق أن واجهها الاقتصاديون. فعندما تظهر تقنيات جديدة قوية، تسارع الشركات إلى الاستثمار فيها كي تحافظ على قدرتها التنافسية. ينتشر التبنّي عبر القطاعات، وترتفع التوقعات، وتصبح التقنية حاضرة في كل أرجاء بيئة العمل، ومع ذلك تستغرق مكاسب الإنتاجية القابلة للقياس وقتًا أطول بكثير حتى تظهر.
في عام 1987، لخّص الاقتصادي روبرت سولو، الحائز جائزة نوبل، هذا التوتر في عبارة اشتهرت منذ ذلك الحين؛ إذ لاحظ أن عصر الحاسوب يمكن رؤيته في كل مكان إلا في إحصاءات الإنتاجية. في ذلك الوقت، كانت الشركات تستثمر بكثافة في تقنية المعلومات، لكن نمو الإنتاجية ظل بطيئًا بعناد. ومع مرور الوقت، اكتشف الباحثون أن فوائد الحوسبة للإنتاجية ظهرت في نهاية المطاف، ولكن فقط بعد أن أعادت المؤسسات تصميم سير العمل وممارسات الإدارة والعمليات التشغيلية حول التقنية الرقمية.
وقد يكون الذكاء الاصطناعي الآن على أعتاب مرحلة مماثلة. فكثيرًا ما يصف الاقتصاديون ابتكارات مثل الكهرباء والحوسبة والذكاء الاصطناعي بأنها تقنيات عامة الغرض، أي أنها قادرة على إعادة تشكيل قطاعات بأكملها. ونادرًا ما تظهر آثارها على الإنتاجية فورًا، لأن منظومات العمل المحيطة بها يجب أن تتكيّف أولًا. فسير العمل والمهارات وممارسات الإدارة وهياكل صنع القرار تتطور تدريجيًا، ما يعني أن الأثر الاقتصادي للتقنية كثيرًا ما يتأخر عن تبنّيها الأولي.
هذه الفجوة المتنامية بين القدرة التقنية والتغيير المؤسسي تخلق ما يمكن تسميته سراب إنتاجية الذكاء الاصطناعي.
العوائق الحقيقية: ثلاث فجوات هيكلية
يتطلب فهم هذه المفارقة النظر إلى ما هو أبعد من التقنية ذاتها، وفحص الطريقة التي تدمج بها المؤسسات الذكاء الاصطناعي في منظومات عملها. وعبر مختلف القطاعات، تتكرر ثلاث فجوات هيكلية في المؤسسات التي تجرّب الذكاء الاصطناعي.

الأولى هي فجوة القدرات. فقد نشرت شركات كثيرة أدوات الذكاء الاصطناعي من دون أن تُعدّ قواها العاملة إعدادًا حقيقيًا للتعاون معها. يُشجَّع الموظفون على تجربة الأنظمة التوليدية، لكن التدريب المنظّم على إعادة تصميم المهام حول التعاون بين الإنسان والآلة يظل محدودًا. ونتيجة لذلك، يبقى معظم الاستخدام سطحيًا ومحصورًا في مهام بعينها، بدلًا من أن يكون مدمجًا استراتيجيًا في العمل اليومي.
الثانية هي فجوة سير العمل. فالتقنية نادرًا ما تحوّل الإنتاجية بمفردها، والمكاسب الحقيقية تتحقق عادة حين تعيد المؤسسات تصميم العمليات التي يتدفق عبرها العمل. ومع ذلك، اكتفت شركات كثيرة بإقحام الذكاء الاصطناعي في سير العمل القائم، بدلًا من أن يدفع ذلك القادة إلى إعادة التفكير في سير العمل هذا من أساسه. قد تتسارع المهام، لكن المنظومة الأوسع تواصل العمل كما كانت من قبل إلى حد بعيد.
الثالثة هي فجوة القياس. فقد استثمرت مؤسسات كثيرة بكثافة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بينما تفتقر إلى أطر واضحة تحدد ما إذا كانت هذه الاستثمارات تولّد قيمة. ومن دون مقاييس موثوقة، يصعب على القادة التمييز بين تحسّنات الإنتاجية الحقيقية ومجرد الإحساس بالتقدّم، ما يجعل من الصعب توسيع نطاق التطبيقات الناجحة أو التخلي عن غير المجدية منها.
الضرورة الملحّة أمام القيادة
بالنسبة إلى التنفيذيين وقادة الموارد البشرية، فإن الدرس المستخلص من هذه المؤشرات بسيط ومزعج في آن واحد: الذكاء الاصطناعي لن يحقق مكاسب في الإنتاجية لمجرد أن المؤسسات نشرته. التقنية لا تحوّل الشركات من تلقاء نفسها؛ فالتحوّل الحقيقي يحدث حين يعيد القادة تصميم هيكلة العمل حول هذه التقنية.
وتنطوي موجة تبنّي الذكاء الاصطناعي الحالية على خطر تكرار خطأ مألوف من ثورات تقنية سابقة. فالشركات تستثمر بكثافة في أدوات قوية، بينما تترك البنية الأساسية للعمل على حالها إلى حد كبير. وحين تُضاف التقنيات الجديدة فوق عمليات متقادمة وسير عمل غير كفء وهياكل قرار غامضة، فالنتيجة ليست تحوّلًا، بل تسريع المشكلات ذاتها التي كانت قائمة أصلًا.
لذلك تتطلب هذه اللحظة تحوّلًا في التفكير القيادي. فبدلًا من الاكتفاء بالسؤال عن أدوات الذكاء الاصطناعي التي ينبغي نشرها، على التنفيذيين أن يبدؤوا بطرح أسئلة أعمق: كيف يجب إعادة تصميم العمل نفسه؟ وكيف يمكن للحكم البشري أن يتفاعل بفاعلية مع الأنظمة الذكية؟ فالمؤسسات التي ستنجح في نهاية المطاف في تحقيق وعد الإنتاجية الذي يحمله الذكاء الاصطناعي لن تكون تلك التي تنشر أكبر عدد من الأدوات، بل تلك المستعدة لإعادة التفكير في سير العمل، وإعادة تعريف الأدوار، وبناء القدرات التي تتيح للبشر والآلات العمل كمنظومة واحدة متكاملة.
ربما لا تزال ثورة الإنتاجية التي يعد بها الذكاء الاصطناعي في الطريق. وإن تحققت، فسيعتمد أثرها على التقنية ذاتها بدرجة أقل بكثير مما سيعتمد على قادة مستعدين لإعادة التفكير في طريقة تنظيم العمل، وفي كيفية تعاون الناس مع الأنظمة الذكية، وفي كيفية قياس القيمة على مستوى المؤسسة كلها.
المراجع
Hoover Institution, Stanford University. (2024-2025). Artificial Intelligence and the Labor Market: Evidence from Economy-Wide Business Surveys. Analysis based on multiple U.S. business surveys examining AI adoption, usage patterns, and productivity expectations.
Solow, R. M. (1987). We’d Better Watch Out. New York Times Book Review. The observation later known as the Solow Productivity Paradox, highlighting the gap between widespread computer adoption and measurable productivity growth.
Thomson Reuters. (2025). Future of Professionals Report. Global survey examining how organizations across legal, corporate, tax, and risk functions adopt and measure AI technologies.
Brynjolfsson, E., Rock, D., & Syverson, C. (2017). Artificial Intelligence and the Modern Productivity Paradox: A Clash of Expectations and Statistics. National Bureau of Economic Research Working Paper. Analysis of why general-purpose technologies often produce delayed productivity gains.
Bresnahan, T., & Trajtenberg, M. (1995). General Purpose Technologies: Engines of Growth? Journal of Econometrics. Foundational research explaining why technologies such as electricity, computing, and AI generate productivity gains only after complementary organizational changes.
نُشر المقال الأصلي لأول مرة على LinkedIn.
