Work Rewired · مقال من النشرة البريدية · Read in English

مات الوصف الوظيفي! وإليك ما يأتي بعده…

مصطفى عزاممصطفى عزاممؤسس TALENT® · مؤلف The Algorithmic Leader
غلاف مقال Work Rewired: مات الوصف الوظيفي! وإليك ما يأتي بعده…

إعادة تصميم العمل لعالم يشكّله الذكاء الاصطناعي، عالم لم يعد العمل فيه يُعرَّف بالمسميات الوظيفية، بل بالقيمة التي نصنعها.


مات الوصف الوظيفي. فما الذي يأتي بعده؟

على مدى عقود، كتبتُ آلاف الأوصاف الوظيفية وراجعتها وأعدتُ تصميمها. لقد جلبت هذه الأوصاف النظام إلى المؤسسات في وقت من الأوقات، فوضّحت المساءلة والمسؤوليات والأجور. وفي عالم يسوده الاستقرار، كانت تؤدي دورها بنجاح.

ذلك العالم لم يعد موجودًا! فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة أخرى، بل هو يفكّك نسيج العمل ذاته ثم يعيد تركيبه. وفي قاعات مجالس الإدارة في باريس ودبي وسنغافورة، أرى الواقع نفسه: «الدور» الثابت يتحول إلى أثر من الماضي. لم يعد العمل يُنظَّم حول وظائف شاغرة تنتظر من يشغلها، بل حول مشكلات تنتظر من يحلّها.

لقد صُمّم الثالوث التقليدي المكوّن من تحليل الوظائف ووصفها وتقييمها من أجل الاستمرارية. أما اليوم، فقد اختفت الاستمرارية والقدرة على التنبؤ معًا. إذ يغيّر الذكاء الاصطناعي نطاق العمل ووتيرته وشكله بسرعة تفوق قدرة هذه الأساليب على المواكبة. ولم تعد مهمتنا بوصفنا قادة الموارد البشرية أن نحافظ على الماضي، بل أن نصمّم المستقبل ونبني هندسته.


الاضطراب الذي لم يعد بوسعنا تجاهله

لقد رأينا جميعًا أدوارًا تتلاشى أمام أعيننا. ففي قطاع الخدمات المالية، ألغى تقييم طلبات الائتمان المدعوم بالذكاء الاصطناعي الحاجة إلى موظفي معالجة القروض في أقل من عامين. وفي قطاع الخدمات اللوجستية، نقلت أدوات الجدولة القائمة على الذكاء الاصطناعي أعمال توزيع الشحنات من الموظفين إلى الخوارزميات بين عشية وضحاها تقريبًا. في هذه الحالات، لم «تتطور» الوظائف، بل تبخّرت ببساطة!

والأبحاث تؤكد ذلك. فقد وجدت MIT Sloan Management Review (2023) أن أكثر من 50% من المهام ضمن الدور الواحد تتغير خلال عام واحد في الشركات التي تطبّق الذكاء الاصطناعي. وهذا يجعل الوصف الوظيفي متقادمًا تقريبًا لحظة توقيعه.

مقارنة بين النموذج المتقادم والنموذج التشغيلي التكيفي من حيث وحدة العمل والهيكل ومحور التركيز

الأوصاف الوظيفية التقليدية توثّق الماضي. فهي تبني صناديق جامدة حول المواهب بدلًا من أن تتيح تدفق العمل. لقد مضى العالم إلى الأمام، ويجب أن تمضي ممارساتنا في الموارد البشرية كذلك.


من الأدوار إلى المنظومات: نموذج تشغيلي جديد

التحولات الثلاثة في التصميم: رسم خريطة القدرات، وتحديد النتائج، وتقييم القيمة والمخاطر

في عملي الاستشاري حول العالم، رأيت مؤسسات تزدهر حين تتوقف عن التعامل مع الوظائف كأوعية، وتبدأ في التعامل معها كمنظومات. ولكي ينجح القادة، عليهم أن يتبنّوا التحولات الثلاثة التالية في التصميم:


1. ارسم خريطة القدرات، لا الوظائف

الأدوار ثابتة. أما القدرات فمرنة.

بدلًا من تعيين «مدير تسويق رقمي»، تبني الشركات ذات الرؤية المستقبلية سحابة من القدرات، مثل فهم الجمهور المبني على البيانات، وتصميم السرديات عبر قنوات متعددة، والإشراف الأخلاقي على الخوارزميات. ثم تُشكَّل الفرق بصورة ديناميكية من هذا المخزون من القدرات.

أعادت شركة للسلع الاستهلاكية قدّمتُ لها الاستشارات هيكلة فرق إطلاق منتجاتها بهذه الطريقة. فبدلًا من التوظيف وفق المسمى الوظيفي، رسمت خريطة للقدرات في مجالات الهندسة والتحليلات والتأثير في السوق. وقد يجمع إطلاق منتج واحد بين شخص يمتلك قدرة «بناء الفهم المشترك عبر الوظائف المختلفة» ليصل بين الهندسة والتسويق، وآخر يمتلك قدرة «التحليلات التنبؤية بمساعدة الذكاء الاصطناعي» ليتوقع معدلات تبنّي المنتج، وثالث يمتلك قدرة «التأثير في أصحاب المصلحة» ليضمن دعم الإدارة العليا. وكانت النتيجة دورة إطلاق أسرع وتحسينات ملموسة وقابلة للقياس في معدلات التبنّي.

ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي (2024) إلى أن الشركات التي تتبنى نماذج قائمة على المهارات تحقق معدلات احتفاظ أعلى بنسبة 35% بأصحاب الأداء المتميز، لأن المواهب تتدفق إلى حيث يكون للعمل أكبر الأثر.


2. حدّد النتائج، لا المهام

عملة العمل تتحول من المهام إلى النتائج.

الأوصاف الوظيفية الجامدة تملي ما يجب فعله، أما اتفاقيات النتائج أو مواثيقها فتحدد ما يجب تحقيقه. فهي تحدد الغاية، والقيمة القابلة للقياس، والضوابط الأخلاقية، والموارد المتاحة بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي. وتمنح الفرق حرية المزج بين الذكاء البشري وذكاء الآلة لتحقيق النتائج.

في إحدى الشركات متعددة الجنسيات، عملتُ مع مكتب التحول على الانتقال من قوائم المهام إلى مواثيق النتائج. فبدلًا من «رفع التقارير عن المراحل الرئيسية للمشروع»، اشترط الميثاق «توفير رؤية شفافة وآنية لمخاطر المشروع». وسرعان ما لجأ المديرون إلى أتمتة تحديثات المراحل عبر لوحات معلومات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مما حرّرهم للتركيز على الحد من المخاطر، وهو المحرك الحقيقي للقيمة.

وفي أحد البنوك العالمية، استبدلنا الأوصاف الوظيفية لوظيفة «محلل الائتمان» بمواثيق مثل «البتّ في قروض المشروعات الصغيرة خلال 48 ساعة». وكان الميثاق يُحدَّث كل ربع سنة مع تطور نماذج الذكاء الاصطناعي، مما وفّر الوضوح للموظفين والشفافية للجهات الرقابية.


3. قيّم القيمة والمخاطر، لا المسمى الوظيفي

يرتّب التقييم الوظيفي التقليدي الأدوار حسب حجم الميزانية أو نطاق الإشراف. لكن في المنظومات المرنة، تفقد هذه المقاييس معناها. فالمهم هو قيمة النتائج المتحققة، والمخاطر التي يتحملها من يحققها.

في إحدى شركات التجزئة العالمية، جرى تحديث أطر التعويضات لتراعي ليس فقط القيمة المتحققة، بل أيضًا المخاطر التي يتحملها من يشرف على نماذج الذكاء الاصطناعي. فقائد فريق منع الاحتيال لم يكن يدير موظفين فحسب؛ بل كان يحمي أنظمة تعالج ملايين المعاملات يوميًا.

أما المؤسسات ذات التفكير المستقبلي فتقيس مدى تعقيد التحدي الذي جرى حلّه، ونطاق الأثر، ودرجة الإشراف البشري المطلوبة لمعايرة الذكاء الاصطناعي. وهذا يخلق جدارة قائمة على النتائج، تكافئ الإسهام الفعلي في لحظته بدلًا من التسلسل الهرمي على الورق.


أجندة عملية للقادة

خطة تنفيذ مرنة على مدى 12 شهرًا: التجربة ورسم الخريطة، ثم الصياغة والتصميم، ثم التحديث والقياس، ثم التوسع والتحسين

هذا التحول بدأ بالفعل، والقادة الذين يتحركون الآن هم من سيرسمون مساره. وهناك أربع خطوات يمكن أن تضع الأساس:

  1. جرّب خريطة للقدرات: اختر إدارة واحدة وارسمها كشبكة من القدرات الأساسية بدلًا من الأدوار.
حلقة منظومة العمل: تحديد القدرات، ثم تشكيل الفرق، ثم تحقيق النتائج، ثم تقييم القيمة والمخاطر
  1. صُغ مواثيق النتائج: أعد تعريف تكليفات العمل حول النتائج، لا الواجبات. واختبرها في مشروع مشترك بين عدة وظائف.
  2. حدّث أطر التقييم: قِس القيمة بمدى التعقيد والأثر والإشراف، لا بالمسمى الوظيفي أو سنوات الخدمة.
  3. استثمر في وضوح الرؤية: استخدم تحليل الشبكات التنظيمية (ONA) لتكشف كيف يتدفق العمل فعليًا، بما يتجاوز الهيكل التنظيمي.

التكليف الختامي

بعد ثلاثة عقود من تقديم الاستشارات لمؤسسات عالمية، أصبح استنتاجي واضحًا: نحن ننتقل من نموذج قائم على الوظائف إلى نموذج قائم على العمل. والرابحون لن يكونوا أصحاب الأوصاف الوظيفية الأكثر إتقانًا، بل أصحاب أنظمة التشغيل الأكثر قدرة على التكيف.

اقتباس: الرابحون لن يملكوا الأوصاف الوظيفية الأكثر إتقانًا، بل أنظمة التشغيل الأكثر قدرة على التكيف

هذا ليس مجرد تعديل في ممارسات الموارد البشرية، بل هو إعادة هندسة لطريقة صناعة القيمة.

لم يعد السؤال المطروح على كل مسؤول تنفيذي: كيف نحدّث مكتبة الوظائف لدينا؟ بل أصبح: كيف نبني منظومة حية تتطور بسرعة تطور العالم من حولنا؟

ومع بدء أنظمة الذكاء الاصطناعي في العمل لا كأدوات فحسب، بل كوكلاء مستقلين، فقد تحتاج حتى مواثيق النتائج إلى أن تتطور إلى عقود ديناميكية يتفاوض عليها البشر والآلات.

لن يكون إرثنا الأدوار التي وثّقناها، بل العمل الذي مكّنّاه.


أسئلة للتأمل

✓   أين يظهر الانفصال بين المسميات الوظيفية الرسمية والعمل الفعلي بأوضح صوره في مؤسستك؟

✓   لو ألغيت المسميات الوظيفية لفريقك القيادي لربع سنة واحد، فكيف ستعيد توزيع وقتهم وقدراتهم لتحقيق أقصى أثر استراتيجي؟

✓   ما العائق المؤسسي الأكبر الذي يحول دون تبنّي نموذج عمل أكثر مرونة وقائم على القدرات؟

✓   أي مشروع تجريبي يقدّم أفضل عائد لاختبار اتفاقية النتائج أو ميثاقها؟


المراجع

  • MIT Sloan Management Review. (2023). The Workforce Ecosystem and AI: Strategies for Coordination and Leadership.
  • Boston Consulting Group. (2023). AI at Work: What People Are Saying.
  • World Economic Forum. (2024). Future of Jobs Report.
  • Gartner. (2023). HR Leaders’ Guide to Job and Role Redesign in the Age of AI.
  • Deloitte Insights. (2024). The Symbiotic Enterprise: A New Model for AI-Human Collaboration.
  • PwC. (2023). AI Predictions 2023: The Productivity Paradox.
  • Harvard Business Review. (2023). The New Logic of Employee Compensation.

نُشر المقال الأصلي لأول مرة على LinkedIn.

مصطفى عزام
عن الكاتبمصطفى عزاممؤسس TALENT® ومديرها. مؤلف كتابَي AI and the Future of Work وThe Algorithmic Leader. عضو هيئة التدريس التنفيذي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. يصمّم كل برنامج ويقوده بنفسه.المزيد عن مصطفى ←
ضع الفكرة موضع التطبيقهل تريد تطبيق هذا التفكير مع فريقك القيادي؟
→ جميع مقالات Work Rewired
تنزيل مجانيتنزيلأخبرنا قليلاً عنك وعن احتياجاتك. الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية. يكفي أن تفعل ذلك مرة واحدة.

    تُستخدم بياناتك للرد على طلبك فقط. اطّلع على إشعار الخصوصية الخاص بنا.