هل الموارد البشرية مستعدة للبيانات الضخمة؟

في زمن تكافح فيه الموارد البشرية بلهفة لحجز مقعد في قطار الوظائف المؤسسية الخبيرة بالبيانات والمدفوعة بها؛ وفي وقت لم تستوعب فيه الموارد البشرية بعدُ سلسلة القيمة للبيانات؛ حيث تكاد ثقافة البيانات تكون معدومة، ويظل التمثيل البصري للبيانات فنًّا غامضًا أشبه بالسحر، ويُقصد باختصار BI «إصابة الدماغ» (Brain Injury) لا «ذكاء الأعمال»! هل الموارد البشرية مستعدة للبيانات الضخمة؟!
من أين نبدأ؟
ألقيت مؤخرًا كلمة رئيسية عن تحليلات الموارد البشرية والسعي نحو وظيفة موارد بشرية أكثر استباقية وقدرة على التنبّؤ وارتباطًا بالأعمال. وكما توقّعت، امتلأ المؤتمر بالعروض التقديمية والترويجية عن البيانات الضخمة وتطبيقاتها السائدة في الموارد البشرية، وكيف أنها، على ما يبدو، تُحدث تحوّلًا في الموارد البشرية في هذه اللحظة بالذات!
بصفتي متخصصًا في الموارد البشرية منذ سنوات طويلة، ومهندسًا بحكم تكويني الأكاديمي، فأنا على دراية جيدة بالبيانات الضخمة ودلالاتها وقابلية تطبيقها الفعلية في بيئات فريدة ومتميّزة للغاية. بيئات تولّد عادةً تيرابايتات فوق بيتابايتات من البيانات السريعة جدًا والمتنوّعة، والتي تتطلّب في الغالب تحليلًا في الوقت الفعلي لاستخلاص أي رؤية ذات قيمة. وباستثناء بعض الاتجاهات المستقبلية «المشكوك فيها» التي تشبه الخيال العلمي (مثل التقنيات القابلة للارتداء وأجهزة الاستشعار الآنية في مكان العمل)، لم أشهد بعدُ أي تطبيق عملي للبيانات الضخمة في الموارد البشرية. إنها، في رأيي، مجرد موضة أخرى مبالغ في الترويج لها!
أين نحن الآن؟
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن للبيانات الضخمة (وتطبيقاتها الضخمة) أهمية هائلة في عدد كبير من السياقات الواقعية. فأهميتها تتزايد في جميع الصناعات والأعمال «عالية التقنية» تقريبًا. فقطاعات مثل الطيران، وتجارة التجزئة، والرعاية الصحية، والتصنيع، والأرصاد الجوية، والنفط والغاز، والذكاء الاصطناعي، وعلم الزلازل، والتسويق، والمبيعات، وغيرها، باتت تعتمد بشكل متزايد على قوتها الهائلة وإمكاناتها. لكن لاحظ أن هذه قطاعات تأتي فيها البيانات ضخمة حقًا، ضخمة جدًا! وليس فقط من حيث الحجم (Volume)، بل أيضًا من حيث السرعة (Velocity) والتنوّع (Variety)، أي نموذج 3V’s. ثم تُجمع هذه البيانات وتُنقّى وتُحلَّل وتُفسَّر وتُستخدم لتوليد معرفة ثاقبة، عادةً في الوقت الفعلي ولتطبيقات في الوقت الفعلي. هل تلمح أي أثر للموارد البشرية حتى الآن؟
إلى أين نتّجه؟
في سعينا إلى تحديد موقع البيانات الضخمة ضمن إطار الموارد البشرية، علينا أولًا أن نعود بضع خطوات إلى الوراء ونتّفق على التعريفات الأساسية: ما البيانات الضخمة؟
يحتاج متخصصو الموارد البشرية إلى فهم الدلالات التقنية للبيانات الضخمة وإدراك أبعادها. فبحسب Gartner: «البيانات الضخمة هي أصول معلوماتية عالية الحجم والسرعة و/أو التنوّع، تتطلّب أشكالًا جديدة من المعالجة لتمكين صنع قرار أفضل، واكتشاف الرؤى، وتحسين العمليات». ويُضاف أحيانًا بُعد رابع هو «الموثوقية» (Veracity) لتحديد البيانات الضخمة بدقة أكبر (ليصبح النموذج الآن نموذج 4V’s).
ما التحديات؟
كانت معظم البيانات التي تجمعها المؤسسات في السابق بيانات معاملات يسهل وضعها في صفوف وأعمدة أنظمة إدارة قواعد البيانات العلائقية؛ مثل بيانات الموارد البشرية المعتادة. أما اليوم فنشهد انفجارًا في البيانات الناتجة عن حركة المرور على الويب، ورسائل البريد الإلكتروني، ومحتوى وسائل التواصل الاجتماعي (التغريدات ورسائل الحالة)، إضافة إلى البيانات التي تولّدها الآلات من أجهزة الاستشعار (المستخدمة في العدّادات الذكية، وأجهزة استشعار التصنيع، وعدّادات الكهرباء) أو من أنظمة التداول الإلكتروني. وقد تكون هذه البيانات غير مهيكلة أو شبه مهيكلة، ومن ثمّ لا تناسب منتجات قواعد البيانات العلائقية التي تنظّم البيانات في شكل أعمدة وصفوف. ونستخدم الآن مصطلح البيانات الضخمة لوصف مجموعات البيانات هذه ذات الأحجام الهائلة التي تتجاوز قدرة أنظمة إدارة قواعد البيانات (DBMS) التقليدية على التقاطها وتخزينها وتحليلها.
لا يشير مصطلح البيانات الضخمة إلى كمية محددة، لكنه يشير عادةً إلى بيانات بحجم البيتابايت والإكسابايت، أي مليارات إلى تريليونات السجلات، وكلها من مصادر مختلفة. وتُنتَج البيانات الضخمة بكميات أكبر بكثير وبسرعة أعلى بكثير من البيانات التقليدية. فعلى سبيل المثال، يستطيع محرّك نفاث واحد أن يولّد 10 تيرابايت من البيانات في 30 دقيقة فقط، وهناك أكثر من 25,000 رحلة طيران يوميًا. ورغم أن «التغريدات» محدودة بـ280 حرفًا لكل منها، يولّد Twitter أكثر من 8 تيرابايت من البيانات يوميًا. ووفقًا لشركة أبحاث التقنية International Data Center (IDC)، فإن حجم البيانات يزيد على الضعف كل عامين، لذا فإن كمية البيانات المتاحة للمؤسسات ترتفع بشكل صاروخي.
تهتم الشركات بالبيانات الضخمة لأنها قادرة على كشف أنماط وحالات شاذّة لافتة أكثر مما تكشفه مجموعات البيانات الأصغر، مع إمكانية تقديم رؤى جديدة حول سلوك العملاء، أو أنماط الطقس، أو نشاط الأسواق المالية، أو غيرها من الظواهر. لكن لاستخلاص قيمة تجارية من هذه البيانات، تحتاج المؤسسات إلى تقنيات وأدوات جديدة قادرة على إدارة البيانات غير التقليدية وتحليلها إلى جانب بيانات المؤسسة التقليدية (مثل بيانات الموارد البشرية).
بناءً على ما سبق، تتضح الحاجة إلى تقنيات وأساليب تحليلية فريدة حقًا للتعامل مع البيانات الضخمة. وتتوسّع Wikipedia في شرح البيانات الضخمة فتذكر أن: «أنظمة إدارة قواعد البيانات العلائقية وحزم الإحصاء والتمثيل البصري المكتبية كثيرًا ما تواجه صعوبة في التعامل مع البيانات الضخمة. فهذا العمل يتطلّب بدلًا من ذلك برمجيات متوازية على نطاق هائل تعمل على عشرات الخوادم أو مئاتها أو حتى آلافها». وهكذا، لا تدخل بعض المؤسسات عالم البيانات الضخمة إلا بعد أن يتجاوز حجم بياناتها عشرات أو مئات التيرابايت، وحتى حينها، فقط فيما يتعلق بتطبيقات محددة. أضف إلى ذلك سرعة تدفّق المدخلات وتنوّعها (3V’s) المتوقّعين في مثل هذه البيانات، إلى جانب الحاجة إلى المعالجة والتحليل في الوقت الفعلي، لتجد نفسك على بُعد مليون ميل من عمليات معالجة الأرقام اليومية المعتادة في الموارد البشرية (مهما بلغ بك الخيال!)
هل وصلنا بعد؟
لا تُسِئ فهمي؛ فأنا من أشدّ المؤيدين للبيانات الضخمة. وأقدّر، أكثر من أي شخص آخر، الأثر والنفوذ المحتملين للبيانات الضخمة في عالم اليوم. لكن ليس في نطاق الموارد البشرية، وليس اليوم! فالموارد البشرية بحاجة إلى تحوّل رقمي هائل، هائل جدًا، يزوّدها بالبنية التحتية (والمعلومات) التي تحتاجها لتنفيذ عمليات البيانات الضخمة بصورة روتينية وفعّالة… ولا أقصد المعدّات وحدها!
ما البدائل؟
في تحوّل الموارد البشرية الحتمي إلى العالم الرقمي، يبدو أن الأثر الأكبر يأتي من تحليلات البيانات، والتمثيل البصري للبيانات، والحوسبة السحابية، والتعاون، وتقنيات الهاتف المحمول، ووسائل التواصل الاجتماعي، وبدرجة أقل، التقنيات القابلة للارتداء. ومن المنافسين المحتملين للبيانات الضخمة في مجال الموارد البشرية ما يُعرف بـالبيانات الطويلة (Long Data). وتشير البيانات الطويلة عادةً إلى بيانات تُجمع على مدى فترات زمنية «طويلة» ومتزايدة، بتواتر أوسع نسبيًا ونقاط بيانات أضيق مما هو معتاد في البيانات الضخمة. ومن منظور تحليلي تقليدي، كلما ابتعدنا عن التحليل الوصفي المعتاد واتجهنا نحو ممارسات أكثر تنبّؤية، حصلنا على رؤى أغنى. ولعل تطوير المهارات، والتغيير الثقافي والسلوكي، وانخراط الموظفين، ودوران العمل، والتسرّب الوظيفي، والاحتفاظ بالموظفين، وغيرها، من الأمثلة الكلاسيكية التي تناسب نظرة أطول أمدًا إلى جمع البيانات وتحليلها، بنقاط بيانات ضيقة جدًا وتواتر جمع واسع نسبيًا. ومع ذلك، حتى البيانات الطويلة تمثّل تحديًا محتملًا لممارسات الموارد البشرية الحالية!
إذن، إلى أين نمضي من هنا؟
لطالما ركّزت تحليلات الموارد البشرية على أمثلة مشابهة لما سبق (مثل تطوير المهارات، والتغيير الثقافي والسلوكي، وانخراط الموظفين، ودوران العمل، والتسرّب الوظيفي، والاحتفاظ بالموظفين، وغيرها). لكن هذه الأمثلة لا تحظى بأي اهتمام يُذكر خارج إدارة الموارد البشرية. بل ينبغي أن نوجّه تركيزنا أكثر نحو مقاييس الأعمال الأصلب، أي تحليلات القوى العاملة، والانعكاسات الأوسع على الإنتاجية، والجودة، وخفض التكاليف، والإيرادات، والوقت، والكفاءة، والسلامة، ورضا العملاء، وغيرها.
ونتيجة لذلك، وبسبب أسلوبنا الذي جانبه الصواب حتى الآن في تطبيق تحليلات البيانات وثقافة البيانات والنتائج المدفوعة بالبيانات، لا تتمتّع الموارد البشرية بأقوى مصداقية داخل المؤسسات. ويكفي أن ننظر إلى السياق الأوسع في الشرق الأوسط لنتأكّد من ذلك. والمفاجئ أن مشهد الموارد البشرية في النصف الغربي من العالم ليس بعيدًا عن ذلك!
وإذا أرادت الموارد البشرية يومًا أن تحسّن مصداقيتها وسمعتها داخل المؤسسة، وأن ترتقي إلى المستويات التي تتمتّع بها عادةً الوظائف الأكثر خبرة بالبيانات ووعيًا بها واعتمادًا عليها، مثل إدارة المشاريع، والتصميم، والهندسة، والمبيعات، والتسويق، والمالية، وغيرها؛ فلا بد من جهد أوسع وأكثر تركيزًا لربط تحليلات القوى العاملة وتطبيقها على الاحتياجات والاهتمامات الجوهرية المرتبطة بالأعمال.
في هذه الأثناء…
في هذه الأثناء، لننسَ أمر البيانات الضخمة في الموارد البشرية. ولا داعي حتى للحديث عن البيانات الطويلة. لنبحث فقط عن البيانات الذكية (SMART DATA)، ولننطلق من هناك!
نُشر المقال الأصلي لأول مرة على LinkedIn.
