Work Rewired · مقال من النشرة البريدية · Read in English

من الإداري إلى المهندس: لماذا يجب أن تقود الموارد البشرية حوار الذكاء الاصطناعي

مصطفى عزاممصطفى عزاممؤسس TALENT® · مؤلف The Algorithmic Leader
غلاف مقال Work Rewired: من الإداري إلى المهندس: لماذا يجب أن تقود الموارد البشرية حوار الذكاء الاصطناعي

ليست أجندة لتقنية المعلومات، بل ضرورة حتمية للموارد البشرية!

مشاركون يجلسون إلى طاولات مستديرة خلال ورشة عمل ضمن مؤتمر
ورشة عمل ضمن مؤتمر، دبي

في الأول من مايو، تشرّفت بتقديم درس متقدّم (Masterclass) في القمة العالمية الرابعة للتميّز في الموارد البشرية لقطاع الطاقة في دبي. ما بدأ حديثًا عن الاستخدامات العملية للذكاء الاصطناعي في الموارد البشرية تحوّل سريعًا إلى شيء أعمق بكثير: نقاش ملحّ وحماسي حول الجهة التي ينبغي أن تمتلك رحلة التحوّل بالذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة. امتلأت القاعة بنخبة من قادة الموارد البشرية المتميّزين من مختلف مؤسسات قطاع الطاقة في دول الخليج، وكانت رسالتهم مدوّية: على الموارد البشرية أن تتجاوز دور المتبنّي للذكاء الاصطناعي لتصبح صانعة استراتيجياته. وكانت تلك الورشة الشرارة التي أطلقت هذا المقال.

لنكن واضحين: الأثر الأول للذكاء الاصطناعي يقع على الناس، أي على أدوارهم وأدائهم وتطوّرهم وانخراطهم وعدالة معاملتهم أخلاقيًا. وعندما تكون القوى العاملة هي موضع الأثر، فيجب أن تكون الموارد البشرية، لا تقنية المعلومات، هي العدسة التي يُفسَّر من خلالها الذكاء الاصطناعي وتُدار حوكمته ويُوظَّف. السؤال ليس ما إذا كان للموارد البشرية دور تؤدّيه، بل ما إذا كانت ستقود أم ستتخلّف عن الركب بينما يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف بيئة العمل.


الذكاء الاصطناعي الوكيلي: فئة جديدة من محرّكات تحوّل القوى العاملة

مصطفى عزام يعرض شريحة عن الموارد البشرية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي
ورشة عمل ضمن مؤتمر، دبي

بينما تدرس المؤسسات نشر أنظمة الذكاء الاصطناعي، من الأتمتة الذكية في العمليات إلى الأدوات التحليلية المتقدّمة في التسويق، فإن الأثر الأكبر يقع على الناس. فالأدوار الوظيفية يُعاد تعريفها، ومجموعات مهارات جديدة تصبح ضرورية، وطبيعة التعاون نفسها تتغيّر. لم نعد نتحدث عن أتمتة تقتطع الزوائد من المهام الروتينية. فظهور الذكاء الاصطناعي الوكيلي (أنظمة قادرة على الاستدلال والتخطيط والتنفيذ باستقلالية) يُحدث نقلة نوعية في النموذج السائد. هؤلاء الوكلاء لا يكتفون بالاستجابة، بل يبادرون. فهم قادرون على تنسيق سير العمل، وإدارة المشاريع، وتحليل البيانات في الوقت الفعلي، وتكييف تصرّفاتهم سعيًا وراء أهداف متغيّرة. الأمر لا يقتصر على إحلال الآلة محلّ الوظائف، بل يتعلّق بإعادة تعريف ماهية العمل، والأدوار التي سيؤدّيها البشر الآن في الاستراتيجية والقيادة وصنع القرار.

وهذا يضع الموارد البشرية في قلب بعض أعقد التحديات وأكثرها حساسية التي ستواجهها المؤسسات: إعادة تعريف استراتيجيات المواهب، وإعادة هندسة هياكل العمل، وتوجيه التكيّف الثقافي، وضمان الحوكمة الأخلاقية.


لحظة الموارد البشرية: من العمود الفقري التشغيلي إلى المايسترو الاستراتيجي

على مدى عقود، سارت الموارد البشرية على حبل مشدود بين التنفيذ والتأثير. لكن الذكاء الاصطناعي الوكيلي يرجّح كفّة الميزان. خذ مثلًا التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة. فهو تقليديًا قائم على ردّ الفعل، ومتقطّع، ومقيّد بأنظمة مجزّأة. والآن، تخيّل وكيل ذكاء اصطناعي يعمل بلا انقطاع، فيمسح المهارات الداخلية باستمرار، ويقارنها بمتطلبات القطاع المتغيّرة، ويبني نماذج لديناميكيات العرض والطلب في القوى العاملة، ويوصي باستثمارات إعادة التأهيل قبل أن تصبح فجوة المواهب حرجة (Jones, 2023).

في هذه الرؤية، يتحوّل متخصّصو الموارد البشرية من جامعي بيانات إلى صنّاع معنى. لم يعودوا يكتفون باستخراج التقارير، بل يدقّقون في الرؤى التي تولّدها الآلة، ويقيّمون تبعاتها الأخلاقية، ويوائمون توصيات الذكاء الاصطناعي مع قيم المؤسسة.

في مجال التوظيف، نرى بالفعل أنظمة تؤتمت مسار المرشّحين بالكامل (البحث عن المرشّحين، والتواصل معهم، وجدولة المقابلات، والتقييم الأولي، بل وحتى إعداد القوائم المختصرة)، وكل ذلك مدعوم بالفهم السياقي والبيانات السلوكية. لكن، مرة أخرى، يبقى الإشراف الاستراتيجي بشريًا: تحديد فلسفة التوظيف، وضمان الشمول، وصياغة السردية التي تجذب أفضل المواهب.


طيف التعاون مع الذكاء الاصطناعي: لقد بدأ التطوّر

منصة كلمة رئيسية تعرض التدرّج من الذكاء الاصطناعي الإدراكي إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكيلي والمادي
CES 2025، الكلمة الرئيسية للرئيس التنفيذي لشركة NVIDIA جنسن هوانغ

على الموارد البشرية أن تفهم أين نقف اليوم على طيف الذكاء الاصطناعي، وإلى أين نتّجه:

  1. الأدوات الإجرائية: روبوتات قائمة على القواعد تتولّى الإجابة عن الأسئلة الشائعة أو البحث في السياسات.
  2. المساعدون السياقيون: تطبيقات مدمجة بنماذج LLM (النماذج اللغوية الكبيرة)، مثل Copilot، تساعد في صياغة رسائل البريد الإلكتروني أو تلخيص الاجتماعات.
  3. المحلّلون الاستباقيون: ذكاء اصطناعي يرصد المخاطر، مثل ثغرات الامتثال، ويوصي بإجراءات تصحيحية (Visier).
  4. الشركاء الاستراتيجيون التكيّفيون: أدوات تعدّل قرارات التوظيف أو هياكل الأجور بناءً على حلقات تغذية راجعة مستمرة (Workday؛ Payscale).
  5. مهندسو القوى العاملة المستقلّون: لم تنتشر بعد على نطاق واسع، لكن نماذجها الأولية موجودة بالفعل، إذ يدير الذكاء الاصطناعي محافظ التعلّم والتطوير أو هياكل الفرق لتحقيق أفضل مواءمة استراتيجية (Sutton & Barto, 2018).

إن فهم هذا المسار أمر أساسي. فكلما تطوّر الوكيل، وجب أن تتطوّر طبيعة المشاركة البشرية أيضًا: من الإشراف، إلى الابتكار المشترك، إلى قيادة المنظومة بأكملها.


قدرات الموارد البشرية لعصر يقوده الذكاء الاصطناعي

مصطفى عزام يعرض المهارات الأساسية الجديدة لقيادة الموارد البشرية
ورشة عمل ضمن مؤتمر، دبي

لكي تقود الموارد البشرية، يجب أن تصبح قدرات جديدة طبيعة ثانية لديها:

  • التأطير الاستراتيجي للذكاء الاصطناعي: على قادة الموارد البشرية ألّا يحدّدوا فقط ما النتائج التي ينبغي أن يدعمها الذكاء الاصطناعي، بل لماذا أيضًا، وكيف تتواءم تلك النتائج مع أهداف تتمحور حول الإنسان.
  • الإشراف الذكي: على الموارد البشرية أن تطوّر القدرة على تدقيق قرارات الذكاء الاصطناعي، واكتشاف التحيّز، وتقييم جودة القرارات بالاعتماد على البيانات والتقدير البشري معًا (Floridi & Taddeo, 2016).
  • الحوكمة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي: يجب أن تصدر أطر السياسات والإرشادات التشغيلية عن الموارد البشرية، بحيث تغطي العدالة والخصوصية والشفافية وقابلية التفسير.
  • تصميم العمليات الهجينة: التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي ليس إضافة تُلصق من الخارج، بل إعادة تصميم. وينبغي أن تقود الموارد البشرية تصميم مسارات عمل يوظّف فيها كلٌّ من الإنسان والآلة نقاط قوته.
  • الاستراتيجية الاستباقية: يستطيع الذكاء الاصطناعي رصد الإشارات المبكرة، مثل تحوّل الطلب على المهارات، ومؤشرات الاحتراق الوظيفي، وتراجع الانخراط. وعلى الموارد البشرية أن تحوّل هذه الرؤى إلى أفعال قبل أن يتحوّل الخطر إلى أثر فعلي.

إعادة بناء النموذج التشغيلي للموارد البشرية

مجسّمات بشرية تربطها شبكة متوهّجة من الخطوط
The WorkNet (صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

لا يمكننا أن نزرع الذكاء الاصطناعي في نماذج موارد بشرية جامدة ومثقلة بالإجراءات. لقد حان وقت تصميم نماذج جديدة. واستنادًا إلى أفكار غولاتي (2022)، يتطلّب الدمج الفعّال للذكاء الاصطناعي هياكل تنظيمية تتيح السرعة، والعمل المشترك بين الوظائف، وصنع القرار بصلاحيات حقيقية. وبالنسبة إلى الموارد البشرية، يعني ذلك:

  • مرونة توزيع الموارد: يجب أن تتبع الميزانيات وأعداد الموظفين الأولويات، لا المخصّصات المحدّدة مسبقًا.
  • لامركزية القرارات: نقل صلاحيات القرار إلى الأقرب للسياق والأكثر إلمامًا به، بمن في ذلك وكلاء الذكاء الاصطناعي العاملون ضمن ضوابط أخلاقية واضحة.
  • منظومات بيانات موحّدة: على الموارد البشرية أن تقود جهود تفكيك جزر البيانات المعزولة، ليحصل الذكاء الاصطناعي على تنوّع المدخلات الذي يحتاجه لتقديم رؤى ذات معنى.
  • الحوكمة التكيّفية: الانتقال من السياسات الثابتة إلى أطر مرنة قائمة على المبادئ ومكوّنة من وحدات، تتيح مرونة الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على قيم المؤسسة.

هذا أكثر من مجرد تحديث تقني؛ إنه تحوّل في وظيفة الموارد البشرية ذاتها.


إشارات حقيقية من السوق: الذكاء الاصطناعي الوكيلي على أرض الواقع

  • Eightfold AI تحقّق التنقّل الوظيفي على نطاق واسع عبر ذكاء المواهب القائم على المهارات، إذ تطابق الموظفين مع الأدوار وفرص التعلّم والموجّهين في الوقت الفعلي (Eightfold AI).
  • Perceptyx تستخدم ملاحظات الموظفين ومعالجة اللغة الطبيعية لكشف الاتجاهات الثقافية قبل أن تتحوّل إلى مخاطر تهدّد الاحتفاظ بالموظفين. والجبهة التالية؟ وكلاء يوصون بتدخّلات مصمّمة حسب الحاجة، بل ويبادرون إلى تنفيذها (Perceptyx).
  • منصات التقنية القانونية (LegalTech) باتت تفحص السياسات تلقائيًا بحثًا عن مخالفات الامتثال مع تغيّر القوانين، ما يمكّن الموارد البشرية من التحرّك قبل أن يتجسّد الخطر (Legaltech Association, 2023).

هذه ليست أمثلة نظرية. إنها الفصول الأولى من دليل عمل يتعيّن على الموارد البشرية أن تكتب فصله التالي.


الحتمية الاستراتيجية للموارد البشرية: القيادة لا التبعية

قاعة ورشة عمل ممتلئة بقادة الموارد البشرية خلال جلسة ضمن مؤتمر
ورشة عمل ضمن مؤتمر، دبي

كثيرًا ما يُنظر إلى استراتيجية التقنية على أنها من اختصاص إدارة تقنية المعلومات. لكن حين تقع أعمق آثار الذكاء الاصطناعي على القوى العاملة مباشرة، فإن الموارد البشرية لا تملك مصلحة فحسب، بل تتحمّل مسؤولية القيادة. فالذكاء الاصطناعي الوكيلي ليس مجرد مجموعة أدوات جديدة. إنه يتحدّى الطريقة التي نعرّف بها العمل، ونقدّر بها الإسهام البشري، ونبني بها مؤسسات تحرّكها الغاية.

القيادة في هذه المرحلة تتطلّب رؤية. وهي تتطلّب من الموارد البشرية أن تنتزع مقعدها، لا على طاولة التنفيذ فحسب، بل على طاولة الاستراتيجية حيث يتحدّد دور الذكاء الاصطناعي في تشكيل مستقبل العمل.

طرقات الذكاء الاصطناعي على الباب واضحة؛ وقد حان الوقت لأن تفتحه الموارد البشرية على مصراعيه وتتقدّم الصفوف!


المراجع

نُشر المقال الأصلي لأول مرة على LinkedIn.

مصطفى عزام
عن الكاتبمصطفى عزاممؤسس TALENT® ومديرها. مؤلف كتابَي AI and the Future of Work وThe Algorithmic Leader. عضو هيئة التدريس التنفيذي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. يصمّم كل برنامج ويقوده بنفسه.المزيد عن مصطفى ←
ضع الفكرة موضع التطبيقهل تريد تطبيق هذا التفكير مع فريقك القيادي؟
→ جميع مقالات Work Rewired
تنزيل مجانيتنزيلأخبرنا قليلاً عنك وعن احتياجاتك. الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية. يكفي أن تفعل ذلك مرة واحدة.

    تُستخدم بياناتك للرد على طلبك فقط. اطّلع على إشعار الخصوصية الخاص بنا.