شركات «الذكاء الاصطناعي أولاً»: لماذا يتردد بعض القادة رغم وضوح القيمة!

استحوذ صعود الشركات القائمة على مبدأ «الذكاء الاصطناعي أولاً» على اهتمام العالم. فهذه ليست مؤسسات تتبنّى الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تبني نموذجها التشغيلي بأكمله حوله. والنتائج مذهلة! ومع ذلك، ورغم هذه الأدلة المقنعة، يتردد كثير من القادة في تبنّي الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. والسؤال هو: لماذا؟
مفارقة التردد: حين تصطدم القيمة الواضحة بواقع معقّد
بالنسبة إلى كثير من القادة، فإن منطق تبنّي الذكاء الاصطناعي لا يقبل الجدل. فالشركات القائمة على الذكاء الاصطناعي أولاً، كما وثّقتها دراسات BCG (2024) وMcKinsey & Company (2023) وMIT Sloan Management Review (2023)، لا تكتفي بخفض التكاليف، بل تفتح الباب أمام نماذج أعمال جديدة كلياً. إنها توظّف وكلاء الذكاء الاصطناعي ليحلّوا محل الأدوار عالية المهارة أو ليعزّزوها، ما يمكّنها من التوسع بمرونة غير مسبوقة.
لكن صنع القرار نادراً ما يحكمه المنطق وحده. فالتردد ينبع غالباً من مزيج من العوامل النفسية والتنظيمية والهيكلية:
الخوف من غياب الاتساق الاستراتيجي
يخشى القادة أن يأتي التحول نحو الذكاء الاصطناعي، إن جرى على عجل أو من دون تخطيط جيد، في غير انسجام مع استراتيجية أعمالهم الأساسية. وتشير أبحاث Gartner (2023) إلى أن 67% من التنفيذيين يعدّون الغموض بشأن مواءمة مبادرات الذكاء الاصطناعي مع أولويات الأعمال عائقاً رئيسياً أمام التبنّي. وفي غياب مخطط واضح يربط الذكاء الاصطناعي بالقيمة طويلة الأمد، يفضّل كثيرون عدم التحرك على خوض مخاطرة يتصوّرونها.
العقليات الموروثة والجمود المؤسسي
تؤكد نتائج BCG فكرة تتكرر كثيراً: التفكير الموروث يعيق الجاهزية للذكاء الاصطناعي. ففي كثير من الشركات العريقة، تجعل أساليب العمل الراسخة أي تحوّل جذري أمراً صعباً. وكما قال ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة Microsoft، في إحدى جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي (2023): «الثقافة تلتهم الاستراتيجية على الإفطار، وهذا ينطبق بشكل خاص على الذكاء الاصطناعي.»
فجوات المواهب والقدرات
رغم أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت في متناول الجميع أكثر فأكثر، فإن معرفة كيفية دمجها بفاعلية مسألة أخرى. فقد وجد تقرير صادر عن Deloitte (2024) أن 54% من القادة يشعرون بأن مؤسساتهم تفتقر إلى الإلمام الكافي بالذكاء الاصطناعي لقيادة التحول. وهذا يغذّي التردد، لا لأن القادة يشكّون في إمكانات الذكاء الاصطناعي، بل لأنهم يشكّون في قدرة فرقهم على تطبيقه بنجاح.
التبعات الأخلاقية وآثارها على القوى العاملة
يدرك كبار قادة الموارد البشرية على وجه الخصوص العواقب الإنسانية لتبنّي الذكاء الاصطناعي. فالمخاوف من فقدان الوظائف، والتحيّز في القرارات التي يتخذها الذكاء الاصطناعي، والضبابية التنظيمية، كلها تضيف طبقة أخرى من التعقيد. وقد أبرزت دراسات صادرة عن CIPD (2024) ومنظمة العمل الدولية (ILO، 2023) كيف تؤخّر هذه القضايا التبنّي، إذ يوازن القادة بين الفرصة التقنية والمسؤولية المجتمعية.
ماذا يستطيع القادة أن يفعلوا لتجاوز عوائق تبنّي الذكاء الاصطناعي؟
إجماع الأبحاث واضح: للتردد ثمن. فبينما توسّع الشركات القائمة على الذكاء الاصطناعي أولاً الفجوة، تواجه الشركات المتأخرة تآكلاً في قدرتها التنافسية. فكيف ينتقل القادة من التردد إلى الفعل الحاسم؟
تعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه تحولاً في الأعمال، لا مشروعاً تقنياً
تنظر المؤسسات الناجحة القائمة على الذكاء الاصطناعي أولاً إلى هذه التقنية بوصفها محرّكاً لإعادة ابتكار الأعمال. ووفقاً لـ MIT Sloan Management Review (2023)، فإن الشركات التي تدمج الذكاء الاصطناعي في صميم استراتيجية أعمالها ترتفع احتمالات تحقيقها مكاسب مالية كبيرة 2.5 مرة مقارنة بالشركات التي تتعامل معه كمبادرة مستقلة.
ابنِ فريقاً قيادياً ملمّاً بالذكاء الاصطناعي
التزام القيادة أمر أساسي، وكذلك القدرات. فالاستثمارات الموجّهة في تثقيف التنفيذيين والمديرين بالذكاء الاصطناعي تساعد على تبديد المخاوف وبناء الثقة. فعلى سبيل المثال، يُنسب إلى برنامج Unilever لتدريب القادة على الذكاء الاصطناعي (بحسب ما نشرته Forbes عام 2024) الفضلُ في تسريع تبنّي الشركة للذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على ثقافتها القائمة على القيم.
ابدأ صغيراً، وتوسّع سريعاً
توصي BCG بتجربة مبادرات الذكاء الاصطناعي المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأهداف العمل، وإثبات أثرها قبل التوسع فيها. فهذا يقلّل المخاطر المتصوَّرة ويولّد زخماً داخل المؤسسة.
اجعل الأخلاقيات والأثر الإنساني في صميم الأجندة
يستطيع القادة معالجة مخاوف القوى العاملة من خلال الشفافية بشأن الغاية من الذكاء الاصطناعي وأثره. وتوصي منظمة العمل الدولية (2023) بصياغة استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بالمشاركة مع الموظفين والأخذ بآرائهم، لبناء الثقة والحد من المقاومة.
تأمّل أخير: الخطر الحقيقي يكمن في التأجيل!
القادة الذين سيزدهرون في عصر «الذكاء الاصطناعي أولاً» لن يكونوا أولئك الذين ينتظرون اليقين، بل أولئك الذين يتحركون بوضوح الغاية، والشجاعة، والقدرة على التكيّف. وأنا أستخدم كلمة الشجاعة عن قصد. فهي تعني أكثر بكثير من الجرأة؛ إنها كفاءة قيادية أساسية للتعامل مع تعقيدات التحول المدفوع بالذكاء الاصطناعي. فالشجاعة، في هذا السياق، تقف إلى جانب الغاية والقدرة على التكيّف بوصفها سمة فارقة تساعد القادة على اتخاذ القرارات وسط الغموض، وتحدّي العقليات السائدة، وقيادة تبنٍّ أخلاقي ومسؤول للذكاء الاصطناعي.
وللتعمّق أكثر في أهمية الشجاعة في قيادة الموارد البشرية، أدعوك بحرارة إلى قراءة هذا المقال المتميّز لصديقي العزيز ديف أولريك: «Courage: An Emerging HR Agenda (Why), Mindset (What), and Skill Set (How) to Increase Contribution».
الذكاء الاصطناعي ليس مستقبلاً بعيداً، فهو يعيد تشكيل المشهد التنافسي في هذه اللحظة. ومن يتردد يخاطر بما هو أكبر من حصته السوقية؛ إنه يخاطر بأن يصبح خارج الحسابات تماماً.
المراجع
- Boston Consulting Group (2024). The AI-first Company: Unlocking Exponential Value. https://www.bcg.com
- McKinsey & Company (2023). The State of AI in 2023. https://www.mckinsey.com
- MIT Sloan Management Review (2023). Achieving Business Impact with AI. https://sloanreview.mit.edu
- Gartner (2023). AI Adoption Barriers Survey. https://www.gartner.com
- Deloitte (2024). AI Readiness Index: Global Findings. https://www2.deloitte.com
- Forbes (2024). How Unilever is Leading AI with a Human Touch. https://www.forbes.com
- CIPD (2024). AI and the Future of Work: What HR Needs to Know. https://www.cipd.co.uk
- International Labour Organization (2023). AI and the World of Work. https://www.ilo.org
- World Economic Forum (2023). Leadership in the Age of AI. https://www.weforum.org
- TALENT Training & Management Consulting. https://thehrtalent.com
نُشر المقال الأصلي لأول مرة على LinkedIn.
