Work Rewired · مقال من النشرة البريدية · Read in English

حين لا يعود للقرارات صاحب!

مصطفى عزاممصطفى عزاممؤسس TALENT® · مؤلف The Algorithmic Leader
غلاف مقال Work Rewired: حين لا يعود للقرارات صاحب!

يسأل أحد المرشحين عن سبب استبعاده. فيشير مسؤول التوظيف إلى النظام. ويشير النظام إلى منطقه. ويشير المنطق إلى البيانات التاريخية. ولا أحد يشير إلى إنسان بعينه!

القرار موجود، لكن صاحبه غائب.

في كثير من المؤسسات، باتت الأنظمة الخوارزمية تحدد اليوم من يدخل القائمة المختصرة، ومن يُرقّى، ومن يُصنَّف عالي المخاطر، ومن يوضع على مسارات التطوير. وحين تُثار الأسئلة حول هذه النتائج، كثيرًا ما تبتعد التفسيرات عن الفاعل البشري وتتجه نحو البنية التقنية. فتحلّ عبارة «أوصى النظام» محلّ عبارة «قرّرنا»، وتنتقل المسؤولية إلى البنية التحتية بدلًا من أن تبقى مرتبطة بدور وظيفي محدد.

هكذا تفقد القرارات صاحبها!


صاحب القرار الذي يتلاشى

تعمل المؤسسات الحديثة على نحو متزايد من خلال توصيات تتحول بهدوء إلى نتائج. فأنظمة تتبّع المتقدمين للوظائف ترتّب المرشحين، وأدوات إدارة الأداء تصنّف السلوك، وتحليلات القوى العاملة تحدد أولويات الحالات التي تستدعي التدخل. وما يبدأ دعمًا تحليليًا يصبح تدريجيًا الخيار التشغيلي الافتراضي.

وتجتمع السرعة والنطاق الواسع ووعد الموضوعية لتحويل المقترحات إلى قرارات، من دون أي نقل صريح للمساءلة. ونادرًا ما يكون هذا التحول مقصودًا؛ فهو ينشأ من العادة، ومن طريقة تصميم سير العمل، ومن الضغط للتحرك بسرعة في بيئات معقدة.

وحين تُنفَّذ المخرجات أسرع مما تُراجَع، لا يعود الحكم المهني يُمارَس بفاعلية، بل يُورَث بسلبية من النظام الذي أنتج التوصية.

السلطة لا تختفي بفعل المقاومة. إنها تختفي بفعل الاستسهال.


من التوصية إلى السلطة

دخلت معظم الأنظمة الخوارزمية إلى الموارد البشرية بوصفها أدوات استشارية. وكان الغرض منها كشف أنماط يصعب على البشر رصدها بمفردهم، مثل الارتباطات في معدلات دوران الموظفين أو مستويات الارتباط الوظيفي أو نتائج التوظيف. ومع مرور الوقت، اكتسبت هذه الأدوات نفوذًا لأنها بدت محايدة وفعّالة ومتّسقة.

التوصية التي توفّر الوقت تصبح طريقًا مختصرًا. والطريق المختصر يصبح معيارًا. والمعيار يصبح قاعدة!

ولا تُنقل الملكية عمدًا في أي لحظة؛ كل ما يحدث هو تسليم تدريجي للسيطرة الفعلية. وحين يُطعن في نتيجة ما لاحقًا، كثيرًا ما تشير المؤسسات إلى منطق النموذج، أو إلى البيانات التي دُرِّب عليها، أو إلى المورّد الذي قدّمه. ولا يستطيع أي من هؤلاء أن يتحمّل المسؤولية بأي معنى حقيقي. فالبيانات يمكن تدقيقها، لكن لا يمكن مساءلتها.

ما يبدأ دعمًا ينتهي بديلًا.

وتُظهر الأبحاث حول «تحيّز الأتمتة» أن الناس يميلون إلى الإذعان لمخرجات الأنظمة حتى حين تكون هذه المخرجات منقوصة، ولا سيما تحت ضغط الوقت أو العبء الذهني (Parasuraman وRiley، 1997؛ Dietvorst وSimmons وMassey، 2015). وفي الموارد البشرية، حيث تمسّ القرارات هوية الناس وأرزاقهم، تترتب على هذا الإذعان عواقب هيكلية.


وهم الحوكمة

تستجيب مؤسسات كثيرة بتعزيز الحوكمة. فتصدر سياسات للاستخدام المقبول، وتشكّل لجانًا للأخلاقيات، وتعتمد أطرًا رسمية لإدارة المخاطر. وهذه خطوات مفيدة لإدارة التعرّض للمخاطر، لكنها نادرًا ما تحلّ المشكلة الأعمق: مشكلة الملكية.

فالسياسات ترسم الحدود ولا تحدد من يصنع القرار. والأطر تدير فئات المخاطر لا خطوط المسؤولية. واللجان توافق على الأدوات، لكنها لا تقف خلف القرارات التي تشكّلها تلك الأدوات.

والنتيجة حوكمة بلا حاكم. فالإجراءات موجودة، لكن لا يوجد دور مسؤول بوضوح عن النتائج التي تتأثر بالخوارزميات. وحين يقع الضرر، تستطيع المؤسسات أن تشرح سير العمل، لكنها لا تستطيع أن تسمّي صاحب القرار.

تبدو الحوكمة حاضرة، لكن الملكية تظل غائبة.

وتعكس التوجيهات التنظيمية هذه الفجوة على نحو متزايد. فقانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي (EU AI Act) وإطار NIST لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي (AI Risk Management Framework) يؤكدان كلاهما على المساءلة البشرية وقابلية التفسير وإمكانية التتبّع، لكن أيًّا منهما لا يستطيع أن يعوّض غموض هياكل السلطة داخل المؤسسة. فقد توجد الضوابط من دون أن يكون أحد مسؤولًا عن النتيجة.


المعضلة الهيكلية للموارد البشرية

تعمل الموارد البشرية عند نقطة التقاء التقنية والكرامة والكفاءة التشغيلية والعدالة. وقلّما تجد نظامًا مؤسسيًا يؤثر في هوية الإنسان ودخله ومساره المهني بالقدر المباشر الذي تؤثر به القرارات المتعلقة بالأفراد. فالتوظيف والترقية وإدارة الأداء ليست عمليات مجردة، بل هي تشكّل تجارب حياة الناس داخل المؤسسات.

ومع ذلك، كثيرًا ما تتوزع السلطة على القرارات المتعلقة بالأفراد التي تشكّلها الخوارزميات بين تقنية المعلومات والشؤون القانونية والمشتريات والمورّدين. فقد تدير الموارد البشرية العملية من دون أن تتحكم في المنطق الذي يقف وراءها، وتسلّم النتائج من دون أن تملك بالكامل الأسباب التي أنتجتها.

وهذا يخلق تناقضًا هيكليًا: فالوظيفة الأكثر تعرضًا للأثر الإنساني هي في الغالب الأقل تمكينًا في تشكيل الأنظمة التي تولّد هذا الأثر. وحين يسأل موظف: «لماذا استُبعدتُ؟»، يأتي الجواب في الغالب إجرائيًا لا شخصيًا. فتحلّ عبارة «لأن النظام أشار إليك» محلّ عبارة «لأن هذا الحكم قد اتُّخذ».

هذا الرد يحمي المؤسسة على المدى القصير. لكنه لا يصون الثقة على المدى البعيد.


خطر القرارات اليتيمة

حين تفقد القرارات صاحبها، تبرز مخاطر عدة، يأتي في مقدمتها الخطر القانوني. فالمساءلة لا يمكن تفويضها إلى كيانات مجردة، والجهات التنظيمية لا تستجوب النماذج، بل تستجوب المؤسسات. ويليه مباشرة الخطر الأخلاقي؛ فالأنظمة تعيد إنتاج الأنماط التاريخية من دون أن تفهم السياق، وفي غياب صاحب بشري للقرار، يتصلّب الارتباط الإحصائي ليصبح عاقبة فعلية.

أما الخطر الثقافي فيتطور ببطء أكبر، لكنه يترك أثرًا أعمق. إذ يتعلّم الموظفون ما إذا كانت النتائج قابلة للدفاع عنها أم أنها قابلة للتنفيذ فحسب. ومع الوقت، يعيد ذلك تشكيل الطريقة التي يُنظر بها إلى السلطة، والطريقة التي تُقاس بها مصداقية القيادة. ويكتمل المشهد بخطر السمعة؛ فالمؤسسات تفقد مكانتها حين تعجز عن تبرير أفعالها. والنتيجة المعقولة إحصائيًا تتحول إلى عبء إذا تعذّر الدفاع عنها. هذه ليست مخاطر تقنية. إنها مخاطر سلطة.

وتُظهر دراسات صادرة عن معهد آلان تورينغ وعن MIT Sloan Management Review أن ثقة الموظفين في أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد بدرجة أقل على الدقة التقنية، وبدرجة أكبر على العدالة المُدرَكة والشفافية ووجود قيادة خاضعة للمساءلة (Turing Institute، 2021؛ MIT SMR، 2023). فالملكية، لا التحسين التقني، هي مرساة الثقة.


اختبار القيادة

لم تعد القيادة في البيئات التي تتوسط فيها الخوارزميات مسألة الموافقة على الأدوات، بل أصبحت مسألة الوقوف خلف النتائج.

والسؤال الجوهري ليس ما إذا كانت النماذج دقيقة، بل ما إذا كان القادة مستعدين لتحمّل ملكية ما تؤثر فيه هذه النماذج. فالسلطة اليوم تعني أن تكون قادرًا على أن تقول من دون تردد: «هذا القرار كان قرارنا».

وهذا يتطلب أكثر من سياسة، إنه يتطلب وضوحًا في الأدوار. فلا بد أن يكون هناك شخص مسؤول عن النتائج التي تشكّلها الخوارزميات في كل مجال من مجالات القرار الحرجة. ويجب أن ترتبط الملكية بالمناصب لا بالمنصات، وبالحكم المهني لا بسرعة المعالجة.

هذه ليست دعوة ضد الأتمتة. إنها دعوة إلى المسؤولية.


استعادة الملكية من دون رفض الآلة

النماذج قادرة على كشف الأنماط. والأنظمة قادرة على ترتيب الخيارات. والأدوات قادرة على تسريع الوصول إلى الرؤى. لكن البشر وحدهم يملكون إجازة العواقب.

وتعود الملكية حين تُجري المؤسسات ثلاثة تحولات. أولًا، أن تميّز بوضوح بين التوصية والقرار؛ فقد يقترح النموذج، لكن الموافقة يجب أن تصدر عن إنسان. ثانيًا، أن تُسند المساءلة إلى أدوار لا إلى لجان؛ فكل مجال من مجالات القرار ذات العواقب يجب أن يكون له صاحب مُسمّى بالاسم، مسؤول عن النتائج التي تشكّلها الخوارزميات. ثالثًا، أن تصمّم من أجل التفسير لا من أجل التنفيذ فحسب. فالقرار الذي لا يمكن تفسيره لا ينبغي أتمتته.

وهذا لا يُبطئ المؤسسات، بل يجعلها قادرة على الدفاع عن قراراتها. إنه يستبدل بالأتمتة الصامتة سلطةً مرئية.


التدقيق المُحرج

لو اعترض موظف غدًا على قرار توظيف أو تقييم أداء شكّله الذكاء الاصطناعي، فمن في مؤسستك يستطيع أن يقول من دون مراوغة: «أنا صاحب هذا القرار، وهذه أسباب ثباته»؟

ليس السؤال أي سياسة تنطبق. ولا أي نظام أنتجه. ولا أي مورّد قدّمه. بل مَن يملكه.

وإلى أن تتمكن المؤسسات من الإجابة عن هذا السؤال بوضوح، ستواصل إنتاج قرارات بلا أصحاب، وسلطة بلا مساءلة.

حين لا يعود للقرارات صاحب، تتحول القيادة نفسها إلى مجرد إجراء.


المراجع

Dietvorst, B., Simmons, J., and Massey, C. (2015). Algorithm aversion: People erroneously avoid algorithms after seeing them err. Journal of Experimental Psychology: General.

EU Parliament. (2024). EU Artificial Intelligence Act.

MIT Sloan Management Review. (2023). Building Trustworthy AI.

NIST. (2023). AI Risk Management Framework 1.0.

Parasuraman, R., and Riley, V. (1997). Humans and automation: Use, misuse, disuse, and abuse. Human Factors.

The Alan Turing Institute. (2021). Public Policy and AI: Trust, Accountability, and Transparency.

نُشر المقال الأصلي لأول مرة على LinkedIn.

مصطفى عزام
عن الكاتبمصطفى عزاممؤسس TALENT® ومديرها. مؤلف كتابَي AI and the Future of Work وThe Algorithmic Leader. عضو هيئة التدريس التنفيذي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. يصمّم كل برنامج ويقوده بنفسه.المزيد عن مصطفى ←
ضع الفكرة موضع التطبيقهل تريد تطبيق هذا التفكير مع فريقك القيادي؟
→ جميع مقالات Work Rewired
تنزيل مجانيتنزيلأخبرنا قليلاً عنك وعن احتياجاتك. الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية. يكفي أن تفعل ذلك مرة واحدة.

    تُستخدم بياناتك للرد على طلبك فقط. اطّلع على إشعار الخصوصية الخاص بنا.