هل يولد القادة أم يُصنعون؟

أبدى لي صديق، وهو رئيس تنفيذي ذو نفوذ كبير، دهشته مؤخرًا من أن ممارسة القيادة، رغم الكمّ الهائل من الأدبيات والأبحاث التي تناولت هذا الموضوع حتى اليوم، ما زالت في رأيه متواضعة في أحسن الأحوال! سمعت هذه الملاحظة مرارًا وتكرارًا طوال مسيرتي الممتدة 29 عامًا في إدارة المواهب وتطوير القيادات. ثم أضاف أن «القيادة قدرة فطرية، إما أن تمتلكها وإما لا». فالقيادة في رأيه لا تُتعلَّم، إما أن تولد بها وإما لا!
قبل جائحة كوفيد، ووفقًا لموقع TrainingIndustry.com، كان تطوير القيادات صناعة عالمية تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار سنويًا. فإذا صحّت آراء صديقي، فحظًا سعيدًا لكل تلك المليارات، فيا له من هدر!
ومن أبرز الموضوعات الرائجة في تطوير القيادات بعد الجائحة:
- قيادة رفاهية الموظفين ودعمها
- قيادة التنوع والإنصاف والشمول
- تشكيل الثقافة المؤسسية وبناء الثقة
- قيادة الفرق العاملة عن بُعد والفرق الهجينة
- القيادة الرقمية
- القيادة عبر الأجيال
- القيادة الرشيقة
- القيادة المتمحورة حول الإنسان
- الحدّ من التحيّز اللاواعي في بيئة العمل
- القيادة التحليلية القائمة على البيانات
- القيادة الأخلاقية
ولكن، رغم الوعود التي تبدو كامنة خلف هذه الموضوعات الرائجة، تشير الأبحاث إلى أن برامج القيادة لم ترقَ تاريخيًا إلى مستوى الضجة المثارة حولها، وأنها تخفق فعلًا في تحقيق النتائج المتوقعة. بل إن عمليات التقييم اللاحقة للتدريب أظهرت، في حالات كثيرة، أن تطوير القيادات لم يُحدث أي أثر ملموس في تغيير السلوك رغم الاستثمارات الكبيرة في التدريب. فلماذا لا تحقق برامج تطوير القيادات النتائج المرجوّة منها؟
على مرّ السنين، حاول كثير من الباحثين والكتّاب والممارسين في مجال القيادة الإجابة عن هذا السؤال، وتوصّل كثيرون منهم إلى عدد من نقاط الإخفاق الجوهرية التي يراها كثيرون إجابات وجيهة عنه. أما في هذا المقال، فقد حاولت أن أتناول المشكلة من زاوية مختلفة وأقل تقليدية.
القيادة في نظري هي، قبل كل شيء، قدرة فطرية وُهبناها جميعًا منذ الولادة. ففي المسيحية، خلق الله الإنسان على صورته… «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا»… (سفر التكوين، 1:27). وفي الإسلام، نفخ الله في الإنسان من روحه… وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي… (القرآن الكريم، الحجر: 29). فكيف لا تكون العظمة، أو ما نسميه القيادة، سمة إنسانية أصيلة نولد بها؟ ألا يعني هذا أن العظمة، أو على الأقل «القابلية للعظمة»، صفة فطرية كامنة في كل إنسان؟ وأقل ما يعنيه ذلك أننا نحتل مرتبة أسمى، لأن الإنسان وحده هو الذي طُبعت فيه هذه النفحة الربانية. وإن لم تكن القيادة جزءًا لا يتجزأ من هذه النفحة الربانية، فما عساها تكون إذن؟ ومن الطبيعي إذن، ونحن نسعى إلى بلوغ إمكاناتنا الحقيقية وممارسة استخلافنا فيما خلق الله، أن نجتهد في البحث عن هذه القدرة الفطرية، أي القيادة، كي ندرك تمامًا الإمكانات التي نفخها الله في كل واحد منا ونعبّر عنها.
«أن تصبح قائدًا يعني أن تصبح نفسك. الأمر بهذه البساطة تمامًا، وبهذه الصعوبة أيضًا.» (وارن بينيس)
ولكن، لماذا لا نُظهر جميعًا هذه القدرة القيادية الكامنة فينا إذن؟ لماذا لسنا جميعًا قادة عظماء؟ لماذا لسنا جميعًا مليارديرات؟ لماذا لسنا جميعًا لاعبي غولف محترفين؟ ولماذا لا يستطيع كلٌّ منا أن يكبر ليصبح رئيسًا يومًا ما؟؟
يرى الكاتب أن هذه الصفة الفطرية، مع مرور الوقت، ولا سيما في مرحلة الطفولة، إما أن تُرعى برفق حتى تطفو على السطح، وإما أن تُدفن في أعماقنا إلى حدّ أننا بالكاد نعود نعرف بوجودها. والحالة الثانية هي مصير الأغلبية الساحقة، ويرجع ذلك أساسًا إلى مؤثرات داخلية وخارجية قاسية، مثل الأسرة والأصدقاء والخصوم والمدرسة والعمل والمجتمع والقيم والامتثال والثقافة… إلخ. ونتيجة لذلك، يفقد معظمنا صلته بذاته الداخلية السامية في وقت مبكر جدًا من حياته، فنغفل عن رسالتنا الحقيقية، ونستسلم للأدوار التي رسمها لنا المجتمع ونمتثل لها؛ وهي أدوار تفتقر في الغالب إلى المعنى والجدوى والإشباع والغاية، ولا يُقصد بها بأي حال من الأحوال تنمية صفاتنا القيادية الفطرية. ولهذا يمضي معظم الناس في حياتهم غافلين، في سعادة تامة، عن مدى العظمة التي خُلقوا ليبلغوها، وعن الإمكانات الهائلة المذهلة التي ربما لا يزالون يحملونها في داخلهم. … تخيّل لو أمكن «تدريبهم» جميعًا على استعادة عظمتهم!!
وهنا يأتي دور سحر التطوير القيادي الحقيقي والفعّال، ويأتي معه أكثر البشر نبوغًا: الممارس «الموهوب» صاحب الخبرة. يعرف معظم الناس هذا «الممارس» باسم «المعلّم». ويسمّيه آخرون «الكوتش» أو «الموجّه» أو «المرشد» أو «الميسّر» أو «المحاضر» أو «المدرّب». وهو عند غيرهم «الإمام» أو «الأب» أو «الكاهن» أو «الحاخام». ومهما يكن اسمه، فأمر واحد مؤكد: إنه طراز فريد حقًا من البشر، يتمتع بقدرة استثنائية على اصطحاب من يتبعونه في رحلات من التقصّي واكتشاف الذات وإعادة المواءمة. تلك طبيعته وموهبته ورسالته. وهذا الممارس الموهوب في موقع فريد يؤهله لمساعدتنا على استكشاف صفاتنا القيادية الفطرية وإطلاقها واستعادتها، وتحريرنا في الوقت نفسه من غفلتنا السعيدة. ولكن لنكن واضحين في أمر واحد: نادرًا جدًا ما تُبلغ الذروة القيادية المنشودة في إطار برامج تطوير القيادات الرسمية والمنظّمة القائمة على الفصول الدراسية. بل إنها في أغلب الأحيان تزدهر في بيئات أقل رسمية وأكثر خروجًا عن المألوف. إن الموجّه أو الممارس القيادي الموهوب صاحب الخبرة هو بالفعل المكوّن الأول لنجاح أي مبادرة قيادية، ومع ذلك ثمة إطار عليه أن يعمل ضمنه:
1. البرنامج الموحّد الذي يُفصَّل على مقاس واحد للجميع لن يُجدي نفعًا.
2. «المستشارون» غير الأكفاء وقليلو الخبرة، الذين كثيرًا ما يحشون برامجهم بالمفاهيم والنظريات والأطر والنماذج التي تُثقل كاهل المشاركين ولا تجد طريقها إلى التطبيق، لن يُجدوا نفعًا.
3. التطبيق النظري داخل الفصل الدراسي، وحده، لن يُجدي نفعًا.
4. المبادرات غير التحويلية، التي لا تستعد لمواجهة الثقافة الداخلية للمؤسسة والوضع القائم فيها وآليات عملها، لن تُجدي نفعًا.
5. ضعف المتابعة والقياس والتقييم. أما المقاييس الهزيلة، والتحليلات قصيرة النظر وغير ذات الصلة، واستراتيجية العائد على الاستثمار (ROI) الضعيفة، فلن تُجدي نفعًا بالتأكيد!
«بعض الناس يكتفون بمجاراة التيار والتمايل مع الحياة، بينما يقاوم آخرون التيارات ويسبحون عكسها ليبلغوا قدرهم.» (أنتوني ليتشيوني)
وفي رحلتي نحو الاستنارة القيادية، أجدني أنجذب نحو إجابة محتملة عن اللغز القديم قِدم الزمن: هل يولد القادة أم يُصنعون؟ من وجهة نظر كاتب هذه السطور: القادة يولدون ويُصنعون معًا. ذلك لأننا جميعًا «نولد» بتلك الموهبة الفطرية، بتلك الصفة الفطرية التي نسميها القيادة. لكن هذه الصفة القيادية، لدى معظمنا، تكون قد توارت في أعماقنا، ما إن نتجاوز الطفولة بالكاد، إلى حدّ يستلزم إعادة اكتشافها واستخراجها وإنعاشها. وبحسب العمق الذي غُمرت فيه، يحتاج كثيرون منا إلى «إعادة التدريب وإعادة التأهيل وإعادة البرمجة» ليدركوا إمكاناتهم القيادية الحقيقية، ويستعيدوا العظمة التي وهبها الله لهم، ويعيدوا الاتصال بذواتهم الداخلية الحقيقية، ويبرزوا من جديد قادةً حقيقيين كما أُريد لهم أن يكونوا.
ولكن لا تخطئ الظن، فخوض تلك الرحلة الشاقة يتطلب فيضًا من الدعم الملهم حقًا، ومن العمل والجهد التطويري… وهنا تحديدًا تصنع «الموهبة» الفارق كله!!
خلاصة القول، لسنا جميعًا قادة عظماء، ولسنا جميعًا مليارديرات، ولسنا جميعًا لاعبي غولف محترفين، لأن معظمنا لم يستثمر بعد، بل لم يكتشف أصلًا، ذلك المنبع الغزير من «العظمة» الذي وُلدنا به جميعًا. لم تُتح لنا بعد فرصة أن يرشدنا أحد في دروب اكتشاف الذات، سعيًا إلى استعادة إمكاناتنا الحقيقية وإعادة مواءمة قيمنا ومعتقداتنا. ولا يمكنك بلوغ إمكاناتك القيادية دون أن تخوض رحلة اكتشاف الذات وإعادة المواءمة هذه. كل ما عليك هو أن تجد الراعي المناسب لهذه المهمة!
فربما لا يزال هناك أمل في المليارات التي تنفقها الشركات حول العالم سنويًا على برامج تطوير القيادات!
أما عن «أن تصبح رئيسًا يومًا ما» … فمن يدري؟
نُشر المقال الأصلي لأول مرة على LinkedIn.
