المقالات · من الأرشيف · Read in English

الموارد البشرية والبيانات الضخمة… حقيقة أم خيال؟

مصطفى عزاممصطفى عزاممؤسس TALENT® · مؤلف The Algorithmic Leader
غلاف مقال: الموارد البشرية والبيانات الضخمة… حقيقة أم خيال؟

في عصرٍ بدأت فيه الموارد البشرية أخيرًا تخرج من عصورها المظلمة، وتكافح بلهفة لتحجز لنفسها مقعدًا في قطار الوظائف المؤسسية الواعية بالبيانات والمعتمدة عليها. في عصرٍ لم تتصالح فيه الموارد البشرية بعدُ مع سلسلة القيمة للبيانات، حيث يبقى تقدير البيانات هو الاستثناء، ولا يزال التصوير البصري للبيانات فنًّا غامضًا، وتكاد ثقافة البيانات تكون معدومة، ولا يعني فيه الاختصار BI «ذكاء الأعمال» (Business Intelligence) بل «إصابة الدماغ» (Brain Injury).

هل يجدر بنا حقًا أن نتحدث عن البيانات الضخمة في الموارد البشرية؟

من أين نبدأ؟

تحدثتُ مؤخرًا في مؤتمر دولي لتقنيات الموارد البشرية (HRTech) حول تحليلات المواهب، والتوجّه نحو وظيفة موارد بشرية أكثر استباقية وقدرة على التنبؤ وارتباطًا بأولويات الأعمال. وهناك، وكما توقعتُ تمامًا، انهالت عليّ العروض التقديمية والترويجية عن البيانات الضخمة، وتطبيقاتها الشائعة في الموارد البشرية وانعكاساتها عليها، وكيف أنها، على ما يبدو، تُحدث تحولًا في الموارد البشرية في هذه اللحظة بالذات!!

بصفتي مختصًا في الموارد البشرية منذ أكثر من 23 عامًا، ومهندسًا في الأصل بحكم تكويني الأكاديمي، فأنا على دراية جيدة بالبيانات الضخمة وتطبيقاتها الفعلية في بيئات فريدة ومتميزة للغاية؛ بيئات تولّد عادةً تيرابايتات تلو البيتابايتات من البيانات السريعة جدًا والمتنوعة، والتي تتطلب في أغلب الأحيان تحليلًا فوريًا لاستخلاص رؤى ذات قيمة. وباستثناء بعض التوجهات المستقبلية «المشكوك فيها» التي تشبه الخيال العلمي (مثل التقنيات القابلة للارتداء وأجهزة الاستشعار الفورية في بيئة العمل)، لم أشهد حتى الآن أي تطبيق عملي للبيانات الضخمة في الموارد البشرية. إنها، في رأيي، مجرد صيحة أخرى مبالغ في تضخيمها.

أين نحن الآن؟

لكن لا يمكن إنكار أن للبيانات الضخمة (وتطبيقاتها الكبيرة) أهمية هائلة في طيف واسع من السياقات ذات الصلة. فأهميتها تتزايد في جميع القطاعات والأعمال «عالية التقنية» تقريبًا؛ إذ باتت قطاعات مثل الطيران، وتجارة التجزئة، والرعاية الصحية، والتصنيع، والأرصاد الجوية، والنفط والغاز، والذكاء الاصطناعي، وعلم الزلازل، والتسويق، والمبيعات، وغيرها، تعتمد بصورة متزايدة على إمكاناتها القوية. لكن لاحظ أن هذه قطاعات تأتي فيها البيانات «ضخمة» فعلًا، أي بـحجم هائل (Volume)، وسرعة كبيرة (Velocity)، وتنوّع مذهل (Variety)، وهي ما يُعرف بأبعاد 3V’s. ثم تُجمع هذه البيانات، وتُنقّى، وتُحلَّل، وتُفسَّر، وتُستخدم لتوليد معرفة ثاقبة، ويحدث ذلك عادةً في الوقت الفعلي، ولأغراض تطبيقية فورية. هل تتعرّف على الموارد البشرية في هذا الوصف؟

إلى أين نتجه؟

في سعينا إلى تحديد موقع البيانات الضخمة ضمن إطار الموارد البشرية، علينا أن نعود خطوتين إلى الوراء ونتفق على التعريفات الأساسية. ما البيانات الضخمة؟

يحتاج مختصو الموارد البشرية إلى أن يفهموا حقًا، وأن يقدّروا، الدلالات التقنية للبيانات الضخمة. فبحسب Gartner: «البيانات الضخمة هي أصول معلوماتية عالية الحجم (Volume)، وعالية السرعة (Velocity)، و/أو عالية التنوّع (Variety)، تتطلب أشكالًا جديدة من المعالجة لتمكين صنع قرار أفضل، واكتشاف الرؤى، وتحسين العمليات». وإضافة إلى ذلك، أضافت بعض المؤسسات بُعدًا رابعًا هو «الموثوقية» (Veracity) لتوصيف البيانات الضخمة بدقة أكبر (ليصبح النموذج الآن نموذج 4V’s).

تحدّي البيانات الضخمة

كانت معظم البيانات التي تجمعها المؤسسات في السابق بيانات معاملات يسهل إدراجها في صفوف وأعمدة أنظمة إدارة قواعد البيانات العلائقية؛ مثل بيانات الموارد البشرية المعتادة. أما اليوم فنشهد انفجارًا في البيانات الناتجة عن حركة المرور على الإنترنت، ورسائل البريد الإلكتروني، ومحتوى وسائل التواصل الاجتماعي (التغريدات، وتحديثات الحالة)، إضافة إلى البيانات التي تولّدها الآلات من أجهزة الاستشعار (المستخدمة في العدادات الذكية، وحساسات التصنيع، وعدادات الكهرباء) أو من أنظمة التداول الإلكتروني. وقد تكون هذه البيانات غير منظّمة أو شبه منظّمة، ومن ثمّ لا تناسب منتجات قواعد البيانات العلائقية التي تنظّم البيانات في شكل أعمدة وصفوف. ونستخدم اليوم مصطلح البيانات الضخمة لوصف مجموعات البيانات هذه التي تبلغ أحجامها حدًا هائلًا يتجاوز قدرة أنظمة إدارة قواعد البيانات (DBMS) المعتادة على التقاطها وتخزينها وتحليلها.

لا يشير مصطلح البيانات الضخمة إلى كمية محددة بعينها، لكنه يشير عادةً إلى بيانات تُقاس بالبيتابايت والإكسابايت، أي مليارات إلى تريليونات من السجلات، تأتي جميعها من مصادر مختلفة. وتُنتَج البيانات الضخمة بكميات أكبر بكثير، وبسرعة تفوق كثيرًا سرعة إنتاج البيانات التقليدية. فعلى سبيل المثال، يستطيع محرك نفاث واحد أن يولّد 10 تيرابايت من البيانات في 30 دقيقة فقط، وهناك أكثر من 25,000 رحلة طيران يوميًا. ومع أن «التغريدات» محدودة بـ140 حرفًا لكل منها، فإن Twitter يولّد أكثر من 8 تيرابايت من البيانات يوميًا. ووفقًا لشركة الأبحاث التقنية International Data Center (IDC)، فإن حجم البيانات يزيد على الضعف كل عامين، ما يعني أن كمية البيانات المتاحة للمؤسسات تشهد قفزات هائلة.

تهتم الشركات بالبيانات الضخمة لأنها قادرة على كشف أنماط وحالات شاذة مثيرة للاهتمام تفوق ما تكشفه مجموعات البيانات الأصغر، مع إمكانية تقديم رؤى جديدة حول سلوك العملاء، أو أنماط الطقس، أو نشاط الأسواق المالية، أو غيرها من الظواهر. غير أن استخلاص قيمة تجارية من هذه البيانات يتطلب من المؤسسات تقنيات وأدوات جديدة قادرة على إدارة البيانات غير التقليدية وتحليلها جنبًا إلى جنب مع بيانات المؤسسة التقليدية (مثل بيانات الموارد البشرية).

بناءً على ما سبق، تتضح بجلاء الحاجة إلى تقنيات وأساليب تحليلية فريدة حقًا للتعامل مع البيانات الضخمة. وتتوسع Wikipedia في شرح البيانات الضخمة فتقول: «كثيرًا ما تواجه أنظمة إدارة قواعد البيانات العلائقية وحزم الإحصاء والتصوير البصري المكتبية صعوبة في التعامل مع البيانات الضخمة. فالعمل يتطلب بدلًا من ذلك “برمجيات متوازية على نطاق واسع تعمل على عشرات الخوادم أو مئاتها أو حتى آلافها”». ولهذا، لا تدخل بعض المؤسسات عالم البيانات الضخمة إلا بعد أن يتجاوز حجم بياناتها عشرات أو مئات التيرابايتات، وحتى في هذه الحالة، لا يكون ذلك إلا في تطبيقات محددة. أضف إلى ذلك سرعة تدفّق هذه البيانات وتنوّعها المتوقعَين (3 Vs)، مع الحاجة إلى معالجتها وتحليلها في الوقت الفعلي، وستجد نفسك بعيدًا كل البعد عن بيانات الموارد البشرية اليومية المعتادة!

إلى أين ينبغي أن نتجه؟

لا تُسِئ فهمي؛ فأنا من أشد المؤيدين للبيانات الضخمة. وأقدّر، أكثر من أي أحد، الأثر المحتمل للبيانات الضخمة ونفوذها في عالم اليوم. لكن ليس في مجال الموارد البشرية، ليس اليوم! فالموارد البشرية بحاجة إلى تحول رقمي هائل، هائل حقًا، يزوّدها بالبنية التحتية اللازمة لتنفيذ عمليات البيانات الضخمة بصورة روتينية وفعّالة… ولا أقصد المعدات فحسب!

ماذا نفعل الآن؟

في مسيرة التحول الحتمي للموارد البشرية نحو العالم الرقمي، يبدو أن التأثير الأكبر يأتي من تحليلات البيانات، والتصوير البصري للبيانات، والحوسبة السحابية، والتعاون، والتقنيات المتنقلة، ووسائل التواصل الاجتماعي، وبدرجة أقل، التقنيات القابلة للارتداء. ومن المنافسين المحتملين للبيانات الضخمة في مجال الموارد البشرية ما يُعرف بـ«البيانات الطويلة» (Long Data). ويشير هذا المصطلح عادةً إلى بيانات تُجمع على مدى فترات زمنية «طويلة» ومتزايدة، بتواتر جمع متباعد نسبيًا ونقاط بيانات أضيق مما هو معتاد في البيانات الضخمة. ومن منظور التحليلات المعتاد، كلما ابتعدنا عن التحليل الوصفي التقليدي واقتربنا من الممارسات التنبؤية، ازدادت الرؤى التي نحصل عليها عمقًا وثراءً. ولعل تطوير المهارات، والتغيير الثقافي والسلوكي، والعائد على الاستثمار (ROI) في التوظيف، وارتباط الموظفين، ومعدل ترك العمل، والاحتفاظ بالموظفين، من أبرز الأمثلة الكلاسيكية التي تتطلب نظرة أطول أمدًا إلى جمع البيانات وتحليلها، مع نقاط بيانات ضيقة جدًا وتواتر جمع متباعد نسبيًا.

ماذا ينبغي أن نفعل؟

لكن اسمح لي بكلمة تحذير؛ فالتحليلات في الموارد البشرية ظلت تاريخيًا مقتصرة على أمثلة شبيهة بما سبق. أمثلة لا تثير أي اهتمام حقيقي على الإطلاق خارج إدارة الموارد البشرية. فعندما يتعلق الأمر بتحليلات البيانات، وثقافة البيانات، والنتائج المبنية على البيانات، لا تحظى الموارد البشرية بأقوى مصداقية داخل معظم المؤسسات. ويكفي أن أنظر حولي في السياق الأوسع للشرق الأوسط لتتأكد قناعاتي. والمدهش أن مشهد الموارد البشرية لا يختلف كثيرًا كلما اتجهت غربًا! وإذا أرادت الموارد البشرية يومًا أن ترفع مصداقيتها وصورتها داخل المؤسسة إلى المستويات التي تحظى بها عادةً وحدات الأعمال الأكثر إلمامًا بالبيانات ووعيًا بها واعتمادًا عليها، مثل إدارة المشاريع، والتصميم، والهندسة، والمبيعات، والتسويق، والمالية، وغيرها، فلا بد من جهد أوسع وأكثر تركيزًا لتطبيق التحليلات على الاحتياجات والهموم الأكثر إلحاحًا والمرتبطة بالأعمال.

في الختام…

ختامًا، أؤمن إيمانًا راسخًا بأن أمامنا، بوصفنا مجتمعًا للموارد البشرية، الكثير مما ينبغي أن نلحق به فيما يخص البيانات وسلسلة القيمة للبيانات. فلنتعلم المشي أولًا قبل أن نحاول الطيران.

دعونا لا نتحدث عن البيانات الضخمة، ليس بعد! لنفكر بمنطق البيانات الطويلة.

نُشر المقال الأصلي لأول مرة على LinkedIn.

مصطفى عزام
عن الكاتبمصطفى عزاممؤسس TALENT® ومديرها. مؤلف كتابَي AI and the Future of Work وThe Algorithmic Leader. عضو هيئة التدريس التنفيذي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. يصمّم كل برنامج ويقوده بنفسه.المزيد عن مصطفى ←
ضع الفكرة موضع التطبيقهل تريد تطبيق هذا التفكير مع فريقك القيادي؟
→ جميع المقالات
تنزيل مجانيتنزيلأخبرنا قليلاً عنك وعن احتياجاتك. الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية. يكفي أن تفعل ذلك مرة واحدة.

    تُستخدم بياناتك للرد على طلبك فقط. اطّلع على إشعار الخصوصية الخاص بنا.