Work Rewired · مقال من النشرة البريدية · Read in English

هل سيجعل الذكاء الاصطناعي مدرّبي الشركات من الماضي، أم أكثر أهمية من أي وقت مضى؟

مصطفى عزاممصطفى عزاممؤسس TALENT® · مؤلف The Algorithmic Leader
غلاف مقال Work Rewired: هل سيجعل الذكاء الاصطناعي مدرّبي الشركات من الماضي، أم أكثر أهمية من أي وقت مضى؟

على مدى ما يقرب من 30 عاماً، وقفتُ في مقدمة قاعات التدريب أمام قادة طموحين، ومديرين جدد يساورهم القلق، ومهنيين مخضرمين يشقّون طريقهم وسط التغيير. وحتى حين كنت أشغل منصباً قيادياً في الموارد البشرية بدوام كامل، لم أبتعد يوماً عن قاعة التدريب. فالتوجيه والتدريب لم يكونا بالنسبة إليّ مجرد وظيفة، بل كانا دائماً رسالة. وقد حملاني إلى أركان الأرض الأربعة، إلى أماكن لم أكن أبلغها إلا في أحلامي: سكينة فيجي، وشموخ برج إيفل، والرهبة الروحانية لتاج محل، ومراكز التعلّم النابضة بالحياة في ماليزيا، على سبيل المثال لا الحصر. واليوم، فإن الرحلة الأبعد أثراً هي تلك التي سنخوضها جميعاً معاً، نحو مستقبل يعيد الذكاء الاصطناعي تعريفه. مستقبل أجد نفسي فيه أطرح أسئلة لم أكن أتخيّلها يوماً: هل سيبقى لمدرّبي الشركات مكان في المؤسسة التي يقودها الذكاء الاصطناعي؟ هل سيظل القادمون الجدد إلى هذا المجال يمارسونه بعد عشر سنوات؟ هل ستجعلنا أدوات الذكاء الاصطناعي من الماضي؟

الذكاء الاصطناعي في التعلّم والتطوير: ثورة هادئة بدأت بالفعل

في حين تميل وسائل الإعلام السائدة إلى تضخيم الروايات الأكثر تطرفاً، سواء كانت مثالية حالمة أو قاتمة متشائمة، فإن الواقع أدقّ من ذلك وأعمق أثراً. فالذكاء الاصطناعي لا يحلّ محل التعلّم والتطوير بين عشية وضحاها، لكنه بالتأكيد يعيد تشكيله.

وجد تقرير صادر عن Fosway Group (2023) أن 71% من قادة التعلّم في المؤسسات الكبرى يجرّبون منصات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتخصيص مسارات التعلّم وأتمتة التقييم. وتَعِد هذه الأدوات بتعلّم واسع النطاق، وتحليلات فورية، ومحتوى يتكيّف مع المتعلّم. لكن الأتمتة ليست مرادفاً للحكمة. فما هو على المحك ليس الكفاءة التشغيلية، بل المعنى والتفاعل والانسجام مع الثقافة.

المهمة الجديدة للمدرّب: من مُحاضِر إلى محفّز استراتيجي

يتحوّل تدريب الشركات، الذي طالما نُظر إليه كفعالية إجرائية عابرة، إلى قدرة استراتيجية. لكن إليك المفارقة: كلما أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي أقدر على تقديم المحتوى، تغيّرت قيمة المدرّب البشري بلا شك، لكنها لا تتراجع.

1. الذكاء السياقي يتفوّق على إتقان المحتوى يبرع الذكاء الاصطناعي في توزيع المعلومات. لكن المؤسسات لا تحتاج إلى مزيد من المعلومات فحسب، بل تحتاج إلى البصيرة والتفسير والتطبيق. وعلى المدرّبين اليوم أن يؤدّوا دور صانعي المعنى، فيربطوا البيانات التي يقدّمها الذكاء الاصطناعي بقيم المؤسسة واستراتيجيتها وسياقها.

في Schneider Electric، تساعد لوحات المعلومات التي يولّدها الذكاء الاصطناعي على رصد فجوات المهارات الناشئة، لكن مستشاري التعلّم (وكثير منهم مدرّبون مخضرمون) هم من يحوّلون هذه الرؤى إلى تدخلات مصمّمة حسب الحاجة وعالية الأثر، ومتّسقة مع أهداف التحول في الأعمال (LinkedIn Learning Report، 2024).

2. الطبقة الإنسانية: التعاطف والأخلاقيات والخبرة في عصر باتت فيه الخوارزميات تشكّل رحلاتنا التعليمية، يقوم المدرّبون بدور الحرّاس الأخلاقيين. ففي حالة لافتة، اضطر أحد البنوك العالمية الكبرى إلى سحب وحدة تدريبية حول التنوع والإنصاف والشمول (DEI) أعدّها الذكاء الاصطناعي، بعد أن اكتشف أنها كانت تعزّز من غير قصد تحيّزات ضارة. وكان فريق التعلّم والتطوير البشري هو من رصد المشكلة وأعاد بناء المنهج بتعاطف ودقة ووعي ثقافي (Financial Times، 2024).

3. بناة ثقافة، لا بناة مهارات فحسب في Salesforce، وجدت أبحاث داخلية أن جلسات تطوير القيادات الحضورية التي يُيسّرها مدرّبون ذوو خبرة حققت درجات تفاعل أعلى بنسبة 42% من البدائل التي يقدّمها الذكاء الاصطناعي. ما المكوّن المفقود؟ الشعور بالانتماء. فالتدريب الذي يقوده البشر يخلق مساحات آمنة للانفتاح والتأمل والتعلّم الفوري من الأقران، وهي أمور لا يستطيع الذكاء الاصطناعي حتى الآن محاكاتها محاكاة ذات معنى. (لكن، هل سيتمكّن من ذلك قريباً؟)

مادة للتأمل

  • إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً بالفعل على تحليل نبرة الصوت، وتتبّع حركة العين، والتنبؤ بمستوى التفاعل، فهل ستحتاج قاعات التدريب في الغد إلى حضور بشري أصلاً؟
  • إذا كان المتعلّمون يستطيعون اليوم أن يطلبوا من مساعدات على غرار ChatGPT شرح كل شيء، من التفكير المنظومي إلى القيادة الموقفية، فوراً وبدقة ومن دون إصدار أحكام، فلماذا يحضرون قاعة تدريب أصلاً؟

ومع ذلك، لا تزال أنجح الشركات في العالم تستثمر في أكاديميات قيادية يقودها البشر ويُيسّرها مدرّبون وموجّهون محترفون. الجواب لا يكمن في قدرات التكنولوجيا. إنه يكمن في إنسانيتنا التي لا يمكن اختزالها.

الجيل القادم من المدرّبين: ما الذي سيميّزنا؟

لن يمحو الذكاء الاصطناعي مهنتنا. لكنه سيكشف حتماً المدرّبين الذين يعملون بطريقة آلية. بل إنه يفعل ذلك بالفعل. فأيام عروض PowerPoint الجامدة، وورش العمل العامة، وإغراق المتدربين بالمحتوى، باتت معدودة.

سيكون مدرّبو الغد:

  • مصمّمي تجارب هجينة تجمع الإنسان والذكاء الاصطناعي: يوظّفون البيانات الفورية، والأدوات التوليدية، والتعلّم الغامر، مع الحفاظ على ديناميكيات العلاقات الإنسانية.
  • مهندسي تعلّم أخلاقيين: يدمجون القيم، والأمان النفسي، والشمول في رحلات التعلّم التي يُعدّها الذكاء الاصطناعي.
  • مُعزِّزين للثقافة: لا يشكّلون ما يتعلّمه الناس فحسب، بل كيف يتواصلون ويتأمّلون ويتحوّلون معاً.

إذن، ما رأيك: هل أصبح المدرّبون من الماضي، أم أنهم أكثر أهمية من أي وقت مضى؟

لنكن واضحين: الذكاء الاصطناعي ليس هو التهديد. التهديد هو الجمود. هو الرضا عن الذات. فالمدرّبون الذين يحصرون أنفسهم فيما اعتادوا فعله دائماً سيخرجون من المشهد، لا بفعل الذكاء الاصطناعي، بل لأنهم فقدوا أهميتهم.

أما من يرغب منّا في التطوّر، فيُفترض أن يكون المستقبل مثيراً للغاية! وأقول «يُفترض» لأنه، كما قال لي صديق عزيز ذات مرة: «من يدّعي أنه يعرف الجواب يخدع نفسه، لكن رسم ملامح الطريق إلى الأمام خطوة أساسية نحو التحكم في مستقبلنا!»

المراجع

  • Fosway Group. (2023). Next Gen Learning Systems Survey.
  • LinkedIn Learning. (2024). Workplace Learning Report.
  • Financial Times. (2024). AI Bias in Corporate Training: A Case Study in Course Correction.
  • McKinsey & Company. (2023). The Skill Shift: Automation and the Future Workforce.
  • Harvard Business Review. (2024). Johnson & Johnson’s Transformation via AI in Learning.
  • Gartner. (2023). Emerging Trends in Learning Technologies: AI-Driven Personalization.
  • IEEE Spectrum. (2024). Ethical Implications of AI in Corporate Learning Systems.
  • Bersin, J., & Zao-Sanders, M. (2023). The Future of Corporate Learning: Humanizing AI. Deloitte Insights.

نُشر المقال الأصلي لأول مرة على LinkedIn.

مصطفى عزام
عن الكاتبمصطفى عزاممؤسس TALENT® ومديرها. مؤلف كتابَي AI and the Future of Work وThe Algorithmic Leader. عضو هيئة التدريس التنفيذي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. يصمّم كل برنامج ويقوده بنفسه.المزيد عن مصطفى ←
ضع الفكرة موضع التطبيقهل تريد تطبيق هذا التفكير مع فريقك القيادي؟
→ جميع مقالات Work Rewired
تنزيل مجانيتنزيلأخبرنا قليلاً عنك وعن احتياجاتك. الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية. يكفي أن تفعل ذلك مرة واحدة.

    تُستخدم بياناتك للرد على طلبك فقط. اطّلع على إشعار الخصوصية الخاص بنا.