Work Rewired · مقال من النشرة البريدية · Read in English

ما بعد الذكاء الاصطناعي التوليدي: صعود الذكاء الاصطناعي الوكيلي في الموارد البشرية

مصطفى عزاممصطفى عزاممؤسس TALENT® · مؤلف The Algorithmic Leader
غلاف مقال Work Rewired: ما بعد الذكاء الاصطناعي التوليدي: صعود الذكاء الاصطناعي الوكيلي في الموارد البشرية

لم يعد التقدم المتسارع للذكاء الاصطناعي مفهومًا ينتمي إلى المستقبل؛ بل إنه يعيد تشكيل عالمنا اليوم. وبينما تمنح إتاحةُ الذكاء الاصطناعي للجميع الأفرادَ أدوات سهلة الاستخدام، يبرز اتجاه موازٍ: صعود الوكلاء الأذكياء. ويعتمد هذا النهج، المعروف بالأتمتة الوكيلية (Agentic Automation)، على وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يجمعون بين قدرات النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) ومصادر البيانات والشيفرات البرمجية وواجهات المستخدم، لتنفيذ مسارات عمل معقدة وأتمتة المهام. ويعمل هؤلاء الوكلاء كمساعدين على درجة عالية من المهارة، قادرين على فهم التعليمات والوصول إلى المعلومات وتنفيذ الإجراءات، تمامًا كما يفعل الموظف البشري، ولكن بسرعة الذكاء الاصطناعي وكفاءته.

تجاوز المهام البسيطة: نحو مسارات العمل المعقدة

تمثل الأتمتة الوكيلية نقلة نوعية في فهمنا لما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحققه. فهي تتجاوز أتمتة المهام البسيطة والمتكررة إلى التعامل مع مسارات عمل معقدة تتطلب عادةً حكمًا بشريًا وتنسيقًا. فبدلًا من مجرد روبوت يتولى إدخال البيانات، أصبح لديك الآن زميل افتراضي قادر على فهم تعليماتك، والوصول إلى أدوات ومصادر بيانات متنوعة، وتنفيذ مشروع معقد من بدايته إلى نهايته، وكل ذلك بالتعاون مع وكلاء آخرين ومع أعضاء الفريق من البشر. وتفتح هذه القدرة عالمًا من الإمكانات أمام الموارد البشرية، لا سيما في إدارة العمليات متعددة الجوانب التي كثيرًا ما تتعثر بسبب المهام اليدوية، وانعزال البيانات في جزر منفصلة، ومحدودية القدرة البشرية على معالجة كميات هائلة من المعلومات.

لماذا ينبغي أن تهتم الموارد البشرية بذلك؟

إن انعكاسات ذلك على الموارد البشرية عميقة. فوكلاء الذكاء الاصطناعي على وشك إحداث ثورة في وظائف الموارد البشرية الرئيسية. وتتخذ الأتمتة الوكيلية أشكالًا متعددة. فمن جهة، تظهر «مساعدات» بسيطة (copilots) تعين المستخدمين داخل التطبيقات القائمة. وعلى الطرف الآخر من الطيف، يجري تطوير وكلاء متطورين قادرين على التعامل مع مسارات عمل معقدة متعددة الخطوات. فلننظر كيف يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي أن يُحدثوا تحولًا في مختلف وظائف الموارد البشرية:

  • استقطاب المواهب: يمكن لوكيل الذكاء الاصطناعي أتمتة عملية فرز السير الذاتية التي كثيرًا ما تكون مرهقة، مما يتيح لمسؤولي التوظيف التفرغ لبناء العلاقات مع أفضل المرشحين وتقييم مدى توافقهم مع ثقافة المؤسسة. وإلى جانب الفرز، يمكن لهؤلاء الوكلاء جدولة المقابلات، وإجراء التقييمات الأولية للمرشحين، بل وحتى إعداد مواد تهيئة مخصصة للموظفين الجدد، مما يبسّط رحلة المرشح بأكملها. فعلى سبيل المثال، سيتمكن وكيل الذكاء الاصطناعي المختص بالتوظيف قريبًا من البحث عن المرشحين وفق مؤهلات محددة، والتواصل معهم، وجدولة المقابلات، وتقييمهم، ثم عرض القائمة النهائية للنظر فيها. وتقدّم شركات مثل Paradox بالفعل منصات توظيف مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على أتمتة كثير من هذه الخطوات. (https://www.paradox.ai/)
  • التعلّم والتطوير: يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي تخصيص مسارات التعلّم وبرامج تدريب الموظفين، واقتراح دورات وموارد مصممة وفق الاحتياجات والتفضيلات وأنماط التعلّم الفردية. بل يمكن لهؤلاء الوكلاء أن يخطوا خطوة أبعد، فيصمّموا محاكاة تفاعلية، ويقدّموا إرشادًا افتراضيًا لتطوير مهارات بعينها، ويكيّفوا المحتوى التدريبي ديناميكيًا ليواكب مستجدات القطاع لحظة بلحظة، بما يضمن تزويد الموظفين بالمعارف الأوثق صلة بعملهم. وتستخدم منصات مثل Degreed الذكاء الاصطناعي لانتقاء تجارب تعلّم مخصصة. (https://degreed.com/)
  • إدارة الأداء: يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي تحليل بيانات الأداء لرصد الاتجاهات والأنماط، وإعداد تقارير تغذية راجعة مخصصة لكل موظف. ومن شأن هذا النهج القائم على البيانات أن يساعد المديرين على إجراء مراجعات أداء أكثر فاعلية وموضوعية وفي توقيتها المناسب. علاوة على ذلك، يمكن لهؤلاء الوكلاء تحديد الموظفين المعرّضين لخطر مغادرة المؤسسة، واقتراح تدخلات مصممة خصيصًا لتحسين الاحتفاظ بهم والحد من الاضطراب الناجم عن فقدان المواهب. وتقدّم شركات مثل Workday حلولًا توظّف الذكاء الاصطناعي لتحليل الأداء والتنبؤ بمخاطر تسرّب الموظفين. (https://www.workday.com/)
  • التعويضات والمزايا: يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي تحليل بيانات السوق، واتجاهات التعويضات الداخلية، وأداء كل موظف على حدة، لاقتراح نطاقات رواتب وحزم مزايا مخصصة. ويضمن هذا النهج القائم على البيانات أن تظل المؤسسات قادرة على المنافسة، وأن تستقطب أفضل المواهب، وأن تعزز العدالة في الأجور داخل قواها العاملة. وتستفيد شركات مثل PayScale من الذكاء الاصطناعي لتقديم بيانات وتوصيات دقيقة ومحدّثة بشأن التعويضات. (https://www.payscale.com/)

ومع نضج هذه التقنية، يمكننا أن نتوقع توسعًا مماثلًا في تطبيقات الموارد البشرية يتجاوز كثيرًا الأمثلة التي تناولناها. تأمّل هذه الإمكانات:

  • الامتثال وإدارة السياسات: يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي تحليل المستندات القانونية وبيانات الموظفين لضمان الامتثال للأنظمة واللوائح دائمة التغير، عبر أتمتة تحديث السياسات، ورصد المخاطر المحتملة، بل وتقديم إرشادات مخصصة للموظفين في المسائل المتعلقة بالامتثال. وتستخدم شركات التقنية القانونية مثل Kira Systems الذكاء الاصطناعي لتحليل العقود وغيرها من المستندات القانونية. (https://kirasystems.com/)
  • تحليلات القوى العاملة وتخطيطها: يمكن أن يصبح وكلاء الذكاء الاصطناعي أدوات فعالة لاستشراف احتياجات المواهب المستقبلية، وتحديد فجوات المهارات الناشئة، واقتراح استراتيجيات لاستقطاب المواهب وتطويرها والاحتفاظ بها. وهذا من شأنه أن يمكّن قادة الموارد البشرية من اتخاذ قرارات قائمة على البيانات تنسجم مع الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى للمؤسسة. وتستخدم منصات تحليلات الموارد البشرية مثل Visier الذكاء الاصطناعي بالفعل لمساعدة المؤسسات على اتخاذ قرارات أفضل بشأن القوى العاملة. (https://www.visier.com/)
  • علاقات الموظفين وحل النزاعات: مع أن التعاطف والتفهّم الإنسانيين يظلان أساسيين في علاقات الموظفين، يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي المساعدة في جمع المعلومات، وتحليل أنماط التواصل، واقتراح حلول ممكنة للنزاعات، مما يتيح لمتخصصي الموارد البشرية التركيز على الجوانب الشخصية الحساسة في حل النزاعات، تلك التي تتطلب لمسة إنسانية. وتستخدم شركات مثل Humu الذكاء الاصطناعي لتحليل آراء الموظفين ومساعدة المؤسسات على تحسين ثقافة العمل لديها. (https://www.humu.com/)

من الواضح أن الأثر المحتمل على الموارد البشرية هائل، وهو ما يتطلب منا، بصفتنا متخصصين في الموارد البشرية، أن نفهم قدرات هذه الأنظمة المتطورة، وأن نستكشف كيف يمكنها أن تعيد تشكيل عملنا نحو الأفضل.

الإبحار في المشهد المتطور لوكلاء الذكاء الاصطناعي: إطار من خمس مراحل

يشهد مجال وكلاء الذكاء الاصطناعي مرحلة من التطور السريع، إذ ينتقل من أدوات أتمتة بدائية إلى شركاء عمل يزدادون تطورًا يومًا بعد يوم. وتؤكد التطورات الأخيرة هذه الوتيرة المتسارعة للتغيير، ومنها كشف OpenAI عن إطار للذكاء الاصطناعي من خمس مراحل في 9 يوليو 2024، إلى جانب نموذجها الجديد o1. ولتيسير فهم أوضح لهذا المسار التحولي، يمكننا تحديد خمس مراحل متمايزة في تطور وكلاء الذكاء الاصطناعي، تتسم كل منها بدرجة أعلى تدريجيًا من الاستقلالية والقدرة على التكيف والقدرات الإدراكية. ويقدّم هذا الإطار لمتخصصي الموارد البشرية خريطة طريق لفهم وكلاء الذكاء الاصطناعي، وتوظيفهم في بيئة العمل، وتحقيق أقصى استفادة من إمكاناتهم.

المرحلة 1: مساعدون موجّهون نحو المهام

المرحلة 2: شركاء يدركون السياق

المرحلة 3: وكلاء استباقيون لحل المشكلات

المرحلة 4: استراتيجيون قادرون على التكيف

المرحلة 5: مبتكرون مستقلون

في الجزء الثاني من هذا المقال، نفصّل كل مرحلة من مراحل التطور المتمايزة في هذا الإطار، لنحدد السمات الرئيسية، وتطبيقات الموارد البشرية، والأمثلة الواقعية التي تميّز كل مرحلة عن غيرها. كما نستعرض الوضع الراهن للتقنية، وكيف بدأت بالفعل في إحداث تحول في وظائف الموارد البشرية الرئيسية، مقدّمةً خيارات جديدة وفعالة لتحسين مسارات العمل القائمة. إلى اللقاء حينها…

نُشر المقال الأصلي لأول مرة على LinkedIn.

مصطفى عزام
عن الكاتبمصطفى عزاممؤسس TALENT® ومديرها. مؤلف كتابَي AI and the Future of Work وThe Algorithmic Leader. عضو هيئة التدريس التنفيذي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. يصمّم كل برنامج ويقوده بنفسه.المزيد عن مصطفى ←
ضع الفكرة موضع التطبيقهل تريد تطبيق هذا التفكير مع فريقك القيادي؟
→ جميع مقالات Work Rewired
تنزيل مجانيتنزيلأخبرنا قليلاً عنك وعن احتياجاتك. الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية. يكفي أن تفعل ذلك مرة واحدة.

    تُستخدم بياناتك للرد على طلبك فقط. اطّلع على إشعار الخصوصية الخاص بنا.