Work Rewired · مقال من النشرة البريدية · Read in English

حين تموت المهارات: ماذا يحدث عندما يصبح الذكاء الاصطناعي هو الكفاءة ذاتها؟

مصطفى عزاممصطفى عزاممؤسس TALENT® · مؤلف The Algorithmic Leader
غلاف مقال Work Rewired: حين تموت المهارات: ماذا يحدث عندما يصبح الذكاء الاصطناعي هو الكفاءة ذاتها؟

انهيار إطار الكفاءات

على مدى ما يقارب ثلاثة عقود، وقفتُ في مقدمة قاعات التدريب في كل قارة. درّبتُ مديرين تنفيذيين في باريس، ووجّهتُ قادة في ظلال تاج محل، وعلّمتُ مديرين جددًا في قاعات مجالس الإدارة في دبي. ورأيتُ آلاف القادة يصارعون الأسئلة المتكررة نفسها: أي المهارات أهم؟ وكيف نُعِدّ موظفينا؟

اليوم، تنهار هذه الأسئلة تحت وطأة شيء جديد. فالذكاء الاصطناعي لا يساعدنا فقط على أداء المهارات، بل أصبح في كثير من المهام هو المهارة ذاتها.

من صياغة العقود إلى كتابة البرمجيات، وتحليل البيانات، وإعداد التقارير القيادية، أرى الذكاء الاصطناعي ينجز العمل بمستوى كان يتطلب في السابق سنوات من الممارسة البشرية. وهذا يفرض على قادة الموارد البشرية حوارًا جديدًا. فالمسألة لم تعد أي المهارات نضيف إلى الدليل التدريبي، بل ما الذي يبقى إنسانيًا بحق حين تنتقل «الكفاءة» نفسها إلى الآلة.


ما تخبرنا به الأدلة

ليس هذا رأيي وحدي. فالأبحاث واضحة.

  • في دراسة ميدانية أُجريت على عمليات دعم العملاء في إحدى الشركات الأمريكية، رفع توجيه الذكاء الاصطناعي الإنتاجية بنسبة 14% إجمالًا، وكانت الفائدة الأكبر من نصيب الموظفين المبتدئين. فقد اكتسب الموظفون قليلو الخبرة في أسابيع ما يعادل شهورًا من التعلّم (Brynjolfsson وآخرون، 2023).
  • ووجدت تجارب مضبوطة في مجال العمل المعرفي أن المشاركين أنجزوا المهام أسرع بنسبة 40% وبجودة أعلى عند الاستعانة بالذكاء الاصطناعي (Noy وZhang، 2023).
  • وتُظهر استطلاعات عالمية أجرتها IBM وMcKinsey ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن المديرين التنفيذيين يتوقعون اليوم أن يحتاج ما بين ثلث قواهم العاملة ونصفها تقريبًا إلى إعادة التأهيل خلال ثلاث سنوات، لأن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهام.

وبصفتي شخصًا أسّس أكاديميات للقيادة، وقدّم برامج للتعليم التنفيذي، وأسدى المشورة لكبار مسؤولي الموارد البشرية (CHROs) في قطاعات مختلفة، أعرف كم يمكن أن تتبدل الأرض تحت أقدامنا بسرعة. لكن الأمر هذه المرة ليس مجرد تغيّر في الطلب على مهارات بعينها. إنه إعادة تعريف «الكفاءة» ذاتها.


ما الذي يموت حقًا؟

إنه ليس التعلّم. وليس التطوير. ما يموت هو تعريفنا القديم للمهارة: فكرة أن المهارة روتين محفوظ يُنفَّذ بسرعة أكبر مع الممارسة. فالآلات قادرة بالفعل على محاكاة هذه الروتينات وتعلّمها وتكييفها بوتيرة لا يضاهيها أي إنسان.

أما ما يبقى، بل تزداد قيمته، فهو القدرات الإنسانية التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاتها:

  • تحديد المشكلة الصحيحة قبل حلّها.
  • الموازنة بين الخيارات على أساس المبادئ تحت الضغط.
  • صون القيم والأخلاقيات حين تتسارع التقنية.
  • بناء الانتماء والثقة والمعنى داخل المجتمعات الإنسانية.

في كل جلسة قيادية أقدّمها، أقول للمديرين التنفيذيين: إن كنتم تظنون أن الذكاء الاصطناعي يمحو دور الإنسان، فأنتم تنظرون إلى المسألة من الزاوية الخاطئة. نعم، قد يصح ذلك، لكن فقط إن لم نكن مستعدين. القضية الحقيقية هي ما إذا كنتم راغبين (وقادرين) على إعادة تصميم العمل بحيث يُنسَج الحكم البشري والتنفيذ الآلي معًا بذكاء.


طبقات الكفاءة: إطار أستخدمه كثيرًا مع القادة

ولمساعدة المؤسسات على التكيّف، أستخدم نموذجًا أسمّيه طبقات الكفاءة (Competence Stack). وهو يعيد صياغة مفهوم القدرات، فينقلها من قائمة مهارات إلى منظومة متعددة الطبقات يكمّل فيها الإنسانُ والذكاءُ الاصطناعي أحدهما الآخر.

الطبقة 1: الطلاقة في الذكاء الاصطناعي والإلمام بالبيانات: هذه هي قواعد اللغة الجديدة في بيئة العمل. فكل موظف يجب أن يعرف كيف يصوغ الأوامر النصية، ويتحقق من النتائج، ويحترم الخصوصية، ويفهم حدود الأدوات.

الطبقة 2: القدرات العليا: وهي القدرات الرفيعة المستوى التي تميّز الإشراف البشري عن التنفيذ الآلي. وتشمل تأطير المشكلات، والتفكير الأخلاقي، واستخلاص المعنى عبر الوظائف المختلفة، والتواصل الصادق.

الطبقة 3: المجال والسياق: هنا تكمن العناصر التي لا يستطيع الحكم عليها سوى البشر: اللوائح، والوعود المقدَّمة للعملاء، والذاكرة الثقافية، والقيم المؤسسية. الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقترح. أما القرار فللقادة.

وحين أستعرض هذه الطبقات مع المديرين التنفيذيين، تتضح الفكرة فورًا: توقفوا عن التعامل مع المهارات كقوائم تحقق ثابتة. وابدؤوا التعامل مع «الكفاءة» بوصفها منظومة حية تتبدل كلما تولّى الذكاء الاصطناعي المهام الأساسية.

وما إن يستوعب القادة هذه الطبقات حتى يصبح السؤال التالي بديهيًا: ما الذي يجب على الموارد البشرية أن تعيد بناءه اليوم؟


ما يجب على الموارد البشرية إعادة تصميمه الآن

1. هندسة الوظائف: الأدوار المبنية على أوصاف وظيفية ثابتة باتت متقادمة بالفعل. أعيدوا صياغتها في صورة خرائط نتائج توزّع المسؤولية بين ما يقوده الإنسان، وما يقوده الذكاء الاصطناعي، وما هو مشترك بينهما.

2. المقاييس: على مدى سنوات، تحدّيتُ مجالس إدارة تتتبّع «ساعات التدريب» كما لو أنها تقيس الأداء. استبدلوا بمقاييس الوجاهة مؤشراتٍ ذات قيمة حقيقية: الوقت اللازم لبلوغ الكفاءة باستخدام الذكاء الاصطناعي، ومعدلات الخطأ حين يكون الذكاء الاصطناعي جزءًا من دورة العمل، وقابلية تفسير القرارات المؤتمتة، وثقة الموظفين في العمليات القائمة على الذكاء الاصطناعي.

3. مصادر التعلّم: لن تستطيع الأدلة التدريبية السنوية مواكبة الوتيرة. ابنوا خريطة مهارات تستقي إشارات حية من التوظيف، وبيانات استخدام الذكاء الاصطناعي، والأداء. وادمجوا التعلّم في مجرى العمل اليومي، لا في ورش عمل متفرقة.

4. الحوكمة: يجب أن تخضع كل عملية من عمليات الموارد البشرية يمسّها الذكاء الاصطناعي لمراجعة بسيطة وواضحة للجميع: ما الغرض منها، وما البيانات المستخدمة، وما ضوابط التحقق من التحيّز المعتمدة، وما مسارات التظلّم المتاحة، وكيف يُبلَّغ الموظفون. وأشدّد على هذا في كل مجلس إدارة: الثقة لا تُبنى بالوعود، بل تُبنى بالشفافية.


5 فخاخ أرى كثيرًا من القادة يقعون فيها

  1. شراء المنصات قبل رسم خريطة المهام.
  2. تجميد نماذج كفاءات تنتهي صلاحيتها قبل أن يجفّ حبرها.
  3. ادّعاء وجود إشراف بشري ضمن الحلقة (human in the loop) من دون التأكد من أن هذا الإنسان يفهم النموذج.
  4. مكافأة الجهد بدلًا من النتيجة. أي تقدير من يعملون بجهد أكبر، لا من يبنون أنظمة أذكى (أي من يعيدون التصميم).
  5. التدريب على خصائص الأدوات لا على الحكم المهني. أي تقديم عروض توضيحية للأدوات بدلًا من التمرّن على حالات حقيقية وبيانات حقيقية.

وأقولها للمديرين التنفيذيين بصراحة: الذكاء الاصطناعي لا يكشف ضعف التقنية، بل يكشف ضعف القيادة.


مخطط لمدة 12 شهرًا أوصي به كل رئيس تنفيذي للموارد البشرية

الربع 1: رؤية العمل كما هو: أجرِ حصرًا شاملًا للمهام. صنّف العمل إلى ما يقوده الإنسان، وما يقوده الذكاء الاصطناعي، وما هو مشترك. وانشر قائمة ضوابط بالمهام التي تبقى حكرًا على الإنسان.

الربع 2: إعادة صياغة الأدوار: أعد بناء الأدوار في صورة خرائط نتائج. حدّد صلاحيات اتخاذ القرار وعتبات المخاطر. وأعد مواءمة الحوافز.

الربع 3: بناء الطبقات: أطلق دورات مكثفة قصيرة للطلاقة في الذكاء الاصطناعي. دشّن خريطة المهارات. وموّل أكاديميات موجّهة تدرّب على الحكم المهني، لا على خصائص الأدوات.

الربع 4: الحوكمة والتوسّع: حوّل مراجعات الذكاء الاصطناعي إلى ممارسة مؤسسية راسخة. أدرج مسارات التظلّم في العمليات. حدّث أطر التقدّم الوظيفي لتقدّر الإشراف والتصميم. واعرض النتائج على مجلس الإدارة.


كيف يبدو صوت القيادة العظيمة

تعلّمتُ من عملي مع قادة الموارد البشرية حول العالم أن الموظفين لا ينتظرون اليقين، بل ينتظرون الوضوح. قُل ثلاثة أشياء بدقة:

  1. ما الذي سيفعله الذكاء الاصطناعي هنا.
  2. ما الذي لن يُسمح للذكاء الاصطناعي بفعله أبدًا.
  3. ما الذي أحتاجه منكم لجعل النظام آمنًا وعادلًا وذا قيمة.

والقادة القادرون على التعبير عن ذلك، وإثباته بالفعل، لن ينجوا من عصر الذكاء الاصطناعي فحسب. بل سيحددون النبرة الثقافية لمؤسسات الغد.


الطريق إلى الأمام

بنيتُ مسيرتي المهنية على تدريب القادة على التكيّف مع التحولات الجذرية. ومن بدايات صعود منصات الموارد البشرية الرقمية إلى الوكلاء الخوارزميين اليوم، رأيتُ مهنتنا تُختبر مرة بعد مرة. قصة المهارات لا تنتهي. إنها تُكتب من جديد.

لم تعد «الكفاءة» دليلًا جامدًا، بل أصبحت منظومة من الطبقات: الآلات تنفّذ، والبشر يفسّرون، والقادة يحددون ما يعنيه الأداء الجيد. ومن يتشبث بتعريفات الأمس سيتخلّف عن الركب. أما من يتعامل مع الكفاءة بوصفها كيانًا حيًا متطورًا يُصنع بالشراكة، فسيقود إعادة ابتكار العمل ذاته.


أسئلة للتأمل

  • أي المهام في مؤسستك جاهزة لأن يقودها الذكاء الاصطناعي، وما الإشراف الذي ستحتاجه؟
  • أي المهام يجب أن تبقى حكرًا على الإنسان، ولماذا؟
  • ما المقاييس الثلاثة التي ستقنع مجلس إدارتك بأن الإنسان مع الذكاء الاصطناعي يتفوقان على كلٍّ منهما منفردًا؟
  • كيف سترفع مستوى الطلاقة في الذكاء الاصطناعي في كل دور داخل المؤسسة؟

المراجع

  • Brynjolfsson, E., Li, D., Raymond, L. R. (2023). Generative AI at Work: Evidence from a Call Center. NBER Working Paper 31161.
  • Noy, S., Zhang, W. (2023). Experimental Evidence on the Productivity Effects of Generative Artificial Intelligence. Working paper.
  • OECD. (2023). Employment Outlook 2023: Artificial Intelligence and the Labour Market.
  • World Economic Forum. (2023). Future of Jobs Report 2023.
  • Microsoft. (2024). Work Trend Index: AI at Work Is Here.
  • IBM Institute for Business Value. (2023). Augmented Work for an Automated, AI-Driven World.
  • McKinsey Global Institute. (2023). Generative AI and the Future of Work in America.
  • LinkedIn. (2024). Workplace Learning Report.

نُشر المقال الأصلي لأول مرة على LinkedIn.

مصطفى عزام
عن الكاتبمصطفى عزاممؤسس TALENT® ومديرها. مؤلف كتابَي AI and the Future of Work وThe Algorithmic Leader. عضو هيئة التدريس التنفيذي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. يصمّم كل برنامج ويقوده بنفسه.المزيد عن مصطفى ←
ضع الفكرة موضع التطبيقهل تريد تطبيق هذا التفكير مع فريقك القيادي؟
→ جميع مقالات Work Rewired
تنزيل مجانيتنزيلأخبرنا قليلاً عنك وعن احتياجاتك. الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية. يكفي أن تفعل ذلك مرة واحدة.

    تُستخدم بياناتك للرد على طلبك فقط. اطّلع على إشعار الخصوصية الخاص بنا.