ماذا يحدث حين لا تعود الكفاءة مرهونة بالخبرة؟

لماذا لم تعد الخبرة التقليدية مؤشرًا موثوقًا على القدرات
لا تزال معظم المؤسسات تفترض أن الخبرة المتخصصة تتراكم بالاحتكاك والممارسة. لكن هذا الافتراض يسقط ما إن يصبح التفكير التحليلي عالي الجودة متاحًا عند الطلب في صميم العمل اليومي.
حين كانت الخبرة كافية
على امتداد معظم تاريخ المؤسسات الحديثة، كانت الكفاءة تسير في ركاب الزمن. كان الناس يدخلون المهن بأداء أعمال محدودة المخاطر أولًا. يجمعون المعلومات، ويُعدّون المسودات، ويُجرون التحليلات، ويكتسبون حُسن التقدير تدريجيًا. وكانت الصلاحية تأتي تبعًا للاحتكاك والتجربة. فالخبرة كانت دليلًا على أن صاحبها واجه من التنوّع ما يكفي لاتخاذ قرارات موثوقة.
الذكاء الاصطناعي يغيّر هذه العلاقة. لا لأن المهنيين سيختفون، بل لأن المسار الذي يصبح المهنيون عبره جديرين بالثقة آخذ في التغيّر.
الواقع المنقسم داخل المؤسسات
ينتشر في آن واحد ردّا فعل متباينان تجاه هذا التحول. فالبعض يرى تقدمًا متسارعًا ويركّز على سرعة تحسّن الأنظمة. أما آخرون، وهم في الغالب من يعملون عن قرب مع الأنظمة المتقدمة، فيلاحظون أمرًا مختلفًا: ما يدهشهم ليس القدرات بقدر ما يدهشهم ضآلة ما تغيّر في الافتراضات المؤسسية.
قد يبدو ردّا الفعل هذان متناقضين، لكنهما ليسا كذلك. فأحدهما يعكس التغيّر التقني، والآخر يعكس الجمود المؤسسي. والفجوة بينهما هي التي تحدد الأثر، أكثر مما تحدده القدرات ذاتها.
الأداء يتغيّر قبل الوظائف
تُظهر الأدلة بالفعل أن هذه القدرات بدأت تؤثر في توزيع الأداء. فقد وجدت دراسات من MIT وجامعة ستانفورد أن الأنظمة التوليدية حسّنت جودة المخرجات، ولا سيما لدى المهنيين الأقل خبرة. ورصدت أبحاث ميدانية صادرة عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية (NBER) أن المساعدة التي يقدّمها الذكاء الاصطناعي قلّصت فجوات الأداء بين موظفي الدعم المبتدئين وذوي الخبرة. وتقدّر تحليلات اقتصادية واسعة النطاق أن حصة كبيرة من العمل المعرفي تتألف من أنشطة تستطيع الأنظمة الحالية أداءها جزئيًا. ولا تُترجم هذه النتائج فورًا إلى وظائف أقل، لكنها تقلّص التفاوت.
اعتمدت المؤسسات تاريخيًا على الخبرة لضمان ثبات جودة المخرجات. أما اليوم فيوفّر الذكاء الاصطناعي هذا الثبات مباشرة، ما يتيح للكفاءة أن تنفصل عن طول المدة.
من الإنتاج إلى التقييم
صُمّمت الأنظمة المهنية حول تراكم بطيء ومتوقَّع للخبرة. كان الموظفون المبتدئون ينتجون المواد، ويفسّرها الموظفون في المستوى المتوسط، ويتخذ كبار الموظفين القرار. وكان هذا الهيكل يصقل حُسن التقدير بقدر ما يرفع الإنتاجية.
وحين تصبح الطبقات المعرفية الأولى زهيدة التكلفة ومتاحة في لحظة، تتغيّر طبيعة الإسهام. إذ يقضي الناس وقتًا أقل في توليد الإجابات، ووقتًا أطول في الحكم على ما إذا كانت هذه الإجابات ذات صلة، وكافية، وآمنة للعمل بها. فينتقل المركز الاقتصادي للعمل من توليد المعرفة إلى التحقق من صحة القرارات.
باتت المسؤولية تصل في وقت أبكر مما افترضته مسارات التطوير التقليدية. وتواجه المؤسسات الآن فجوة تطويرية لم تُصمَّم هياكلها للتعامل معها.
فجوة التلمذة المهنية
تظهر العاقبة بأوضح صورها في بناء المسارات المهنية، الذي كان يعتمد على الاحتكاك المتكرر بمعلومات منقوصة. فالمهنيون في بداية مسيرتهم كانوا يكتسبون حُسن التقدير عبر مواجهة الغموض، لا عبر الإجابات الصحيحة وحدها. وإذا باتت الأنظمة تؤدي التحليل التمهيدي بصورة موثوقة، فإن المؤسسات تواجه سؤالًا تطويريًا لا سؤالًا يخص حجم العمالة:
كيف يكتسب المهني حُسن التقدير دون احتكاك طويل بعدم اليقين؟
وهذا يعيد تشكيل التوظيف بالفعل. فقد كانت الشركات تستقطب دفعات كبيرة من الموظفين الجدد لأن الأدوار المبكرة كانت تجمع بين الإنتاج والتدريب. أما حين تتولى الأنظمة جزءًا كبيرًا من العمل التمهيدي، فيقلّ عدد من نحتاج إليهم للإنتاج، لكن على كل واحد منهم أن يمارس حُسن التقدير في وقت أبكر. وهكذا ينتقل التوظيف من بناء القدرة الإنتاجية إلى انتقاء أصحاب الإمكانات، فتضيق أدوار الدخول إلى المهنة، بينما يُطلب التقدير المستقل في وقت أبكر.
لقد سبق للتقنية أن اختصرت مسارات التعلّم. فالآلات الحاسبة حوّلت الرياضيات نحو النمذجة. وجداول البيانات دفعت التمويل نحو التفكير في السيناريوهات. لكن التحول الحالي أوسع نطاقًا، لأن التفسير نفسه بات يحظى بالمساعدة الآلية في شتى المجالات. ولا يمكن لهياكل التلمذة المهنية أن تنكمش دون قصد من غير أن يتأثر إعداد القادة.
يجب تصميم الصلاحيات
تُظهر دراسات تبنّي الذكاء الاصطناعي في المؤسسات باستمرار أن توسيع نطاق استخدامه لا تقيّده الحدود التقنية بقدر ما يقيّده تحديد المساءلة. ومع تزايد موثوقية المخرجات، لم يعد الإشراف غير الرسمي قادرًا على مواكبة هذا التوسع بصورة موثوقة.
ويتعيّن على المؤسسات الآن أن تحدد صراحةً:
هذه قرارات تصميمية تتعلق بالمسؤولية، لا قرارات تنفيذية تتعلق بالتقنية. فالمؤسسة تنتقل من الإشراف على الجهد إلى تحديد الشروط التي تُقبل في ظلها القرارات.
الخبرة لم تعد دليلًا على الكفاءة
كثيرًا ما تبدو ردود الفعل العامة تجاه الذكاء الاصطناعي في صورة خوف من الاستبدال. لكنها في أغلب الأحيان تعكس إدراكًا أكثر هدوءًا: فالخبرة تفقد قيمتها بوصفها مؤشرًا بديلًا على الموثوقية. فحين يمكن توليد مخرجات متقنة في لحظة، لم تعد سنوات الخدمة وحدها كافية لإثبات الموثوقية.
ولذلك يتغيّر معنى أنظمة الترقية. فالتقدّم الوظيفي يعتمد بدرجة أقل على الوقت المنقضي، وبدرجة أكبر على موثوقية مُثبتة في اتخاذ القرار في ظروف عمل معزَّزة بالذكاء الاصطناعي. ويتبع التنقل الوظيفي الداخلي المنطق ذاته: فالانتقال يعتمد بدرجة أقل على الاحتكاك السابق بالمجال، وبدرجة أكبر على القدرة على تفسير مخرجات غير مألوفة والتصرف بناءً عليها بمسؤولية.
وتستوعب المؤسسات هذا الواقع ببطء، لأن أنظمة التقييم ومنطق الترقية وبرامج تطوير القيادات بُنيت على الافتراض السابق. أما الأفراد فيواجهونه بسرعة، لأنهم يتعاملون مع المخرجات مباشرة.
تنتقل القيادة من تأكيد العمل المنجز إلى التحقق من صحة الإجراء المختار، فتتركّز المساءلة على مقربة أكبر من القرار نفسه.
السؤال الذي يواجهه القادة الآن
تنتقل المؤسسات من بيئات تندر فيها المعرفة إلى بيئات يندر فيها التفسير. وقد بُنيت الصلاحية والتدريب والثقة كلها على الافتراض السابق.
لم يعد السؤال الجوهري: أيّ المهام ستختفي؟ بل: كيف نعرّف الكفاءة حين يمكن دعم الخبرة من الخارج في أي لحظة؟
والإجابة لن تحدد هيكل القوى العاملة فحسب، بل ستحدد أيضًا أين تستقر المسؤولية في نهاية المطاف.
المراجع
Noy & Zhang, Experimental Evidence on the Productivity Effects of Generative Artificial Intelligence, MIT & Stanford, 2023
Brynjolfsson, Li & Raymond, Generative AI at Work: Evidence from Customer Support, NBER, 2023
McKinsey Global Institute, The Economic Potential of Generative AI, 2023
Deloitte State of AI in the Enterprise reports, 2022-2024
World Economic Forum Future of Jobs Report 2023
نُشر المقال الأصلي لأول مرة على LinkedIn.
