Work Rewired · مقال من النشرة البريدية · Read in English

أصبح الجميع كتّابًا بارعين! فلماذا تبدو القراءة خاوية إلى هذا الحد؟

مصطفى عزاممصطفى عزاممؤسس TALENT® · مؤلف The Algorithmic Leader
غلاف مقال Work Rewired: أصبح الجميع كتّابًا بارعين! فلماذا تبدو القراءة خاوية إلى هذا الحد؟

يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجعل أي شخص يبدو خبيرًا، لكنه لا يستطيع تزييف المعرفة الحقيقية. والمؤسف أننا بدأنا نفقد القدرة على التمييز بينهما!

على مدى أكثر من 30 عامًا، كانت الكتابة جزءًا لا يتجزأ من مهنتي. إنها مهارة بذلت فيها جهدًا كبيرًا، وقضيت ساعات لا تُحصى أتعلّم كيف أوصل فكرتي بوضوح وقوة. لكن شيئًا ما تغيّر. فجأة، أصبح أشخاص أعرفهم، كانوا يعجزون عن صياغة جملة سليمة واحدة، ينشرون مقالات خالية من العيوب كل أسبوع، بل كل يوم أحيانًا!

هؤلاء أشخاص لم ينشروا كلمة واحدة على LinkedIn (ولا على أي منصة أخرى في الواقع!). لم يكن لديهم ما يضيفونه إلى النقاش. أما الآن، فهم يدعون الناس إلى الاشتراك في نشراتهم البريدية الأسبوعية، ويكتبون بأسلوب يبدو احترافيًا إلى حد مدهش. والأمر لا يقتصر على قلة محدودة؛ إنه ظاهرة تنتشر انتشار النار في الهشيم.

ونتيجة لذلك، بات من الصعب أن أجد الدافع للكتابة. فالحرفة التي أمضيت عمري في بنائها صار بإمكان أي شخص يملك فأرة ولوحة مفاتيح أن يقلّدها. كانت الكتابة في الماضي علامة على التفاني ووضوح التفكير. أما الآن، وقد أصبح بمقدور الجميع إنتاج نصوص متقنة في لحظة، فإن الجهد الحقيقي يبدو بلا جدوى. حتى «القراءة» فقدت شيئًا من متعتها، لأنه صار من الصعب جدًا أن تعرف هل تتواصل مع إنسان حقيقي أم مع مجرد آلة.

هل يحقق هذا فعلًا تكافؤ الفرص؟

يقول الناس إن الذكاء الاصطناعي هو أداة المساواة الكبرى، فهو يمنح كل شخص صوتًا. لكن أي صوت هذا؟ هل يمنح الناس فرصة عادلة حقًا، أم أنه يساعدهم فقط على الظهور بمظهر الخبير دون أن يبذلوا الجهد اللازم؟

ثمة فرق كبير بين أداة تساعدك على التعبير عن معرفة اكتسبتها بجهد وعناء، وأداة تصنع لك وهم المعرفة. إننا نتجه نحو عالم يصبح فيه تزييف الخبرة سهلًا إلى حد لا يُصدَّق. وحين يبدو من أمضى سنوات في تعلّم موضوع ما مطابقًا تمامًا لمن قضى دقيقتين في كتابة أمر نصي، فنحن أمام مشكلة حقيقية.

أين ذهب الصوت الشخصي؟

من أكبر مشكلات هذا الطوفان من المحتوى الجديد أنه يبدو متشابهًا إلى حد كبير. فهو سليم لغويًا، ونظيف، ومحكم البناء، لكنه كثيرًا ما يكون بلا روح على الإطلاق. إنه يفتقر إلى وجهة نظر متفرّدة.

للكتابة الحقيقية شخصية. تشكّلها تجارب الكاتب، وأخطاؤه، وطريقته الخاصة في رؤية العالم. والقصص الشخصية واللمسة الإنسانية هي ما يجعل الكتابة عالقة في الذاكرة ومؤثرة. أما الذكاء الاصطناعي فلا يملك أي خبرة حياتية. لا يستطيع أن يحدّثك عن مرة أخفق فيها وما تعلّمه من ذلك. يمكنه أن يمنحك المعلومة، لكنه لا يستطيع أن يمنحك الحكمة.

الثمن الحقيقي للإتقان بلا جهد

المسألة أعمق بكثير من مجرد الكتابة. إنها تمسّ السبب ذاته الذي يدفعنا إلى السعي لنكون أفضل. لماذا يقضي أي شخص سنوات في إتقان مهارة ما، سواء أكانت البرمجة أم النجارة أم بناء حجة مقنعة؟ من أجل الاحترام والمصداقية اللذين يأتيان من الإتقان الحقيقي.

لكن ماذا يحدث لمجتمع تصبح فيه ثمار الجهد المخلص متاحة فورًا لمن لا يبذلون أي جهد؟ يبدأ الحافز إلى العمل العميق والشاق في التلاشي. ويُظهر التاريخ أن التقدم يقوده أفراد يكدّون بدقة وصبر لينالوا تميزًا حقيقيًا. فإذا أمكن تزييف هذا التميز، يبدأ المحرك الأساسي الذي يدفعنا إلى الابتكار والتحسين في التعطّل. وهكذا فإن أداة يُفترض أن تكون أداة المساواة الكبرى تواجه خطر أن تصبح أداة الهدم الكبرى، إذ تقضي على الحاجة إلى الإتقان الإنساني الحقيقي، ثم على الرغبة فيه في نهاية المطاف.

لنكن صريحين: لم نكن يومًا بحاجة إلى مزيد من الأصوات، بل إلى أصوات أفضل. ربما جعل الذكاء الاصطناعي من الجميع كتّابًا، لكنه لم يجعل من أحد مفكرًا. وفي عالم يعجّ بضجيج لا ينتهي، يبقى التفكير الواضح هو الشيء الوحيد الذي يميّز أي شخص حقًا. لذا، في المرة القادمة التي ترى فيها منشورًا محكم البناء من شخص كان قبل ستة أشهر يتعثر في أبسط قواعد اللغة، اسأل نفسك: هل هذه رؤية حقيقية، أم مجرد صدى ملفوف بالحرير؟

في النهاية، نجد أنفسنا أمام مفترق طرق، مضطرين إلى أن نقرر ما الذي نقدّره حقًا. هل سنكون مجتمعًا يحتفي بالوهم الجميل، أم سنبذل الجهد الأصعب في البحث عن المعرفة الحقيقية المكتسبة بالجهد ومكافأتها، حتى وإن كانت أقل صقلًا؟ هذه المعضلة المعاصرة جدًا (التمييز بين الفهم الحقيقي وتقليده المقنع) تناولتها بوضوح تام، قبل أكثر من 1400 عام، آيةٌ عميقة المعنى وثيقة الصلة بواقعنا من القرآن الكريم:

«قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ» (سورة الزمر، الآية 9)

نُشر المقال الأصلي لأول مرة على LinkedIn.

مصطفى عزام
عن الكاتبمصطفى عزاممؤسس TALENT® ومديرها. مؤلف كتابَي AI and the Future of Work وThe Algorithmic Leader. عضو هيئة التدريس التنفيذي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. يصمّم كل برنامج ويقوده بنفسه.المزيد عن مصطفى ←
ضع الفكرة موضع التطبيقهل تريد تطبيق هذا التفكير مع فريقك القيادي؟
→ جميع مقالات Work Rewired
تنزيل مجانيتنزيلأخبرنا قليلاً عنك وعن احتياجاتك. الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية. يكفي أن تفعل ذلك مرة واحدة.

    تُستخدم بياناتك للرد على طلبك فقط. اطّلع على إشعار الخصوصية الخاص بنا.